تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، حيث تحمل المشاركة السورية في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة أبعاداً تجاوزت الحضور البروتوكولي إلى تحركات دبلوماسية مكثفة تخوضها دمشق لتثبيت أركان مرحلة التعافي. وفي مستهل هذه الزيارة، حرص الرئيس السوري أحمد الشرع على التوجه نحو أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة، مستعرضاً معهم مسار البناء والتنمية ومتطلبات المرحلة المقبلة. وأكد خلال اللقاء، الذي حضره وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الطوارئ رائد الصالح، على أهمية الطاقات والخبرات السورية في الخارج لرفد جهود إعادة الإعمار، وتشييد جسور التواصل والتأثير في العلاقات السورية الأمريكية.
وعلى الضفة السياسية بواشنطن، امتدت الحوارات لتشمل لقاءات مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي ركزت على ملفات العلاقات الثنائية وسيادة سوريا، وسط دعم صادق لجهود الاستقرار. وفي السياق ذاته، جاءت التصريحات الصريحة للنائب جو ويلسون لتضع النقاط على الحروف، داعياً إلى وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية فوراً، ومؤكداً أن منح البلاد فرصة الحوار والتعافي يصب في مصلحة المنطقة بأسرها. وأشاد ويلسون بالدعم الذي تقدمه أطراف إقليمية كتركيّة والسعودية لإتاحة هذه الفرصة التاريخية للنهوض، معرباً في الوقت نفسه عن تفاؤله بتطور التعاون الأمريكي التركي ورفع العقوبات لتأمين "السلام من خلال القوة".
تزامنت هذه التحركات الإيجابية مع مواقف دولية داعمة أعلنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من على منبر الجمعية العامة، مفادها أن سوريا تشق طريقها بخطوات واثقة، وأن حمايتها من التدخلات والاستفزازات الخارجية شرط أساسي لسلام دائم بالمنطقة. هذا التناغم الإقليمي واكبه تقارب أوروبي تجسد في لقاء ثنائي جمع الشرع بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في نيويورك، استكمالاً للمسار المتسارع بين البلدين منذ أواخر عام 2024. ويعيد هذا اللقاء التذكير بالزيارة التاريخية التي قام بها ماكرون لدمشق، وما نتج عنها من تفاهمات لتبادل السفراء وإطلاق حزم تعاون واسعة في قطاعات النقل، والطاقة، والصحة، والبنية التحتية.
تأتي هذه اللقاءات المكثفة، إلى جانب المشاركة المرتقبة في حوارات المجلس الأطلسي بآفاقها الاقتصادية والمؤسسية، لتؤكد أن الدبلوماسية السورية تخوض معركة بناء الانفتاح الدولي بالتوازي مع مساعي الإعمار الداخلي. وبينما يستعد الرئيس الشرع لإلقاء كلمة بلاده أمام الجمعية العامة، ترسم هذه التحركات ملامح مرحلة جديدة تسعى فيها دمشق لتأكيد حضورها الإقليمي والدولي، مستندة إلى شبكة علاقات متوازنة ورغبة حقيقية في تحقيق الاستقرار والازدهار.
