من نيويورك.. الدبلوماسية السورية ترسم ملامح مرحلة جديدة من الانفتاح والسيادة


لم تكن مشاركة الوفد الرسمي السوري برئاسة الرئيس أحمد الشرع في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل جاءت لتشكل علامة فارقة في مسار الحراك الدبلوماسي الخارجي لدمشق. هذه المشاركة، التي تُعد الثانية من نوعها منذ تحرير سوريا واستعادتها لمكانتها الإقليمية والدولية، حملت في طياتها حصيلة مكثفة من الإنجازات الوطنية على المستويين الداخلي والخارجي، معلنةً انتقال البلاد الفعلي من مرحلة طرح الرؤى والتعهدات النظرية إلى مرحلة الترجمة العملية والميدانية على أرض الواقع، بالتوازي مع ترسيخ نهج الانفتاح المستمر على المجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة.


على منبر الجمعية العامة، رسم الرئيس أحمد الشرع في كلمته ثوابت الموقف السوري وحجم التحديات الميدانية القائمة؛ إذ شدد بوضوح على أن الجولان سيبقى أرضاً سورية لا تقبل التجزئة وأن كل الإجراءات المتخذة لضمه باطلة ولا ترتب أي أثر قانوني. وفي الوقت الذي جدد فيه التزام دمشق التام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 ومطالبتها بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خطوط الثامن من كانون الأول 2024، كشف بالأرقام عن واقع الانتهاكات الميدانية التي تتعرض لها البلاد، موضحاً أن إسرائيل نفذت نحو 500 غارة جوية ومدفعية وأكثر من 1200 توغل، إلى جانب تسجيل نحو 300 حالة اعتقال واحتجاز لمدنيين سوريين، واضعاً القوى الدولية أمام مسؤولياتها المباشرة تجاه هذه الخروقات.


وعلى هامش الأسبوع رفيع المستوى للدورة الأممية، كانت كواليس الاجتماعات تشهد حراكاً مكثفاً قاده وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ضمن الوفد الذي ضم أيضاً وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح وعدداً من المسؤولين. وكان من أبرز محطات هذا التحرك الدبلوماسي اللقاء الثلاثي البارز الذي جمع الشيباني بنظيريه السعودي الأمير فيصل بن فرحان والتركي هاكان فيدان. هذا الاجتماع الثلاثي ركز بشكل محوري على تعزيز أوجه التعاون المشترك بين سوريا والسعودية وتركيا، واستكشاف الفرص المتاحة لرفع مستوى التبادل الاقتصادي والتجاري، بما ينعكس مباشرة على دعم النمو والازدهار في الدول الثلاث ويخدم المصالح الإقليمية المتبادلة.


ولم تتوقف المباحثات السورية عند النطاق الإقليمي، بل امتدت لتشمل جبهات دبلوماسية متعددة تعكس تنوع شبكة التواصل الجديدة؛ حيث عقد الوزير الشيباني سلسلة لقاءات ثنائية تناولت ملفات متعددة، كان منها لقاؤه بوزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، والذي جرى خلاله بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دمشق ولندن، إضافة إلى مناقشة المستجدات السياسية والأمنية في سوريا والمنطقة وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك. كما شهدت أروقة الجمعية العامة لقاءً آخر جمع الشيباني بوزير خارجية أرمينيا أرارات ميرزويان، تناول آفاق التعاون الثنائي بين البلدين ودعم الشراكة في مختلف المجالات.


وفي خطوة لافتة ضمن مساعي دمشق لتوسيع مساحات الحوار وتجاوز العقبات، التقى وزير الخارجية السوري في اجتماع منفصل بالمبعوث الأميركي الخاص لمكافحة معاداة السامية، الحاخام يهودا كابلون. واستعرض الجانبان خلال اللقاء عدداً من الملفات ذات الاهتمام المتبادل، مع التركيز على بحث سبل تعزيز الحوار وتطوير قنوات التواصل بما يضمن خدمة المصالح المشتركة للطرفين.


تعكس هذه السلسلة المتكاملة من التحركات، بدءاً من الموقف السيادي الحاسم على المنبر الأممي ووصولاً إلى الطاولة الثلاثية مع الرياض وأنقرة واللقاءات مع القوى الغربية والدولية، استراتيجية سورية جديدة تعتمد على التوازن وتعدد الشركاء. وهي استراتيجية تهدف في جوهرها إلى حماية الحقوق الوطنية والسيادية للبلاد، بالتوازي مع فتح آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي والدبلوماسي الذي يعيد لدمشق دورها المحوري والاستراتيجي في المنطقة والعالم.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال