الشرع في الرياض: شراكة استراتيجية لإعادة الإعمار وموقف حاسم من الصراعات الإقليمية


في الوقت الذي تُلملم فيه سوريا جراحها وتخطو خطواتها الأولى نحو مسيرة التعافي، تتجه الأنظار إلى العاصمة السعودية الرياض؛ حيث أحيطت الزيارة الرسمية الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع ولقاؤه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باهتمام إقليمي ودولي واسع، وسط أرقام وحسابات وسياسات معقدة تتجاوز حدود ملف إعادة الإعمار لتلامس ملفات أمنية واستراتيجية ساخنة.


وفقاً للبيانات الرسمية والمباحثات الصادرة عن رئاسة الجمهورية، جاءت زيارة الرئيس الشرع رفقة وزير الخارجية أسعد الشيباني لبحث الخطط الاستراتيجية المتعلقة بإعادة بناء البنية التحتية والمنشآت الحيوية المتضررة، حيث امتدت الطموحات إلى بحث آليات الاستثمار النوعي وتفعيل دور قطاعي الأعمال في مجالات حيوية كالطاقة، البناء، الصناعة، والزراعة. ولم تقتصر الزيارة على البعد الاقتصادي فقط، بل حملت رسالة تقارب دبلوماسي تجسدت في توجيه دعوة رسمية للأمير محمد بن سلمان لزيارة دمشق، لتأسيس مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك والتنسيق الإقليمي والدولي.


تزامن هذا الحراك الدبلوماسي مع تقارير صحفية تساءلت عن احتمالية تقديم سوريا مساعدة عسكرية للرياض في مواجهة تصاعد المواجهات مع جماعة الحوثيين. ونقلت تقارير عن تسريبات لمسؤولين أميركيين ودبلوماسيين تفيد بأن الخيار جرى تداوله أو نقله عبر قنوات النقاش، لا سيما مع اشتداد الهجمات الحوثية المستهدفة للبنية التحتية والمطارات السعودية مثل مطاري أبها والملك خالد. وفي رد حاسم للحد من التكهنات، أكدت وزارة الإعلام السورية عبر منصة "Syrian Response" التابعة للإعلام الخارجي، أن السياسة السورية تركز بالدرجة الأولى على الاستقرار والأولويات الداخلية، مشددة على أن سوريا تقف إلى جانب المملكة في حماية أمنها وسيادتها، لكن أي تعاون مستقبلي سيكون حصراً عبر الأطر الثنائية والقنوات الرسمية، نافية وجود قرار بالانخراط في أية جبهات جديدة.


تأتي هذه السجالات في وقت يمر فيه المنطقة بإعادة تشكيل للتحالفات؛ إذ توازي هذه الزيارة نقاشات حول احتمال انضمام دمشق لـ "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان. وعلى الرغم من تأكيد الخارجية السورية سابقاً أن الموضوع قيد الدراسة ولم يتخذ فيه قرار بعد، إلا أنه يعكس رغبة سورّية في الانفتاح الاستراتيجي وتأمين مظلة أمنية وسياسية تخدم مرحلة الاستقرار. ومع استمرار الرفض الضمني والعلني للدخول كطرف في صراعات إقليمية جانبيّة، تُثبت دمشق عبر مواقفها أن أولويتها القصوى تبقى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها الوطنية وتحسين حياة مواطنيها، متبعة سياسة "النأي بالنفس" عن التجاذبات المسلحة خارج حدودها، دون التفريط بتضامنها السياسي والدبلوماسي الكامل مع عمقها العربي وأشقائها في الخليج.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال