عقدة سالييري في زمن الثورة: حين يُنجز المجد من لا يُنتظر

 


في تاريخ الثورات، لا ينتصر دائماً من يملك الصوت الأعلى أو التاريخ الأطول. أحياناً، يأتي النصر على يد من لم يُراهن عليه أحد، فيفاجئ الجميع، ويعيد تشكيل المعادلة من جذورها. هذا تمامًا ما حدث في سوريا، حين أسقط أحمد الشرع نظام بشار الأسد، بينما بقيت أسماء المعارضة الكبرى في دائرة التنظير، أو في ظلال المجد الذي لم يأتِ.


هنا، تظهر "عقدة سالييري" بكل وضوح

سالييري، الموسيقي الذي عاش في زمن موزارت، لم يكن عديم الموهبة. بل كان محترفاً، معترفاً به، وله مكانته. لكنه حين واجه عبقرية موزارت، لم يستطع سوى أن يحترق داخلياً. لم يكن الصراع بين الخير والشر، بل بين الموهبة المألوفة والعبقرية المفاجئة. بين من انتظر المجد، ومن خُلق له دون أن يطلبه.

في سوريا، تكرّر المشهد

أحمد الشرع، الذي لم يكن في صدارة المشهد السياسي لعقود، قاد الثورة إلى نقطة التحول. لم يكن الأكثر ظهوراً، ولا الأكثر تنظيراً، لكنه كان الأكثر فاعلية. بينما بقي الآخرون في موقع سالييري: يراقبون، يعلّقون، وربما يحسدون، دون أن يستطيعوا تغيير الواقع.

لكن هذا النص ليس هجاءً، بل قراءة نفسية

فـ"عقدة سالييري" ليست عيبًا أخلاقياً، بل مأزقاً إنسانياً. حين يرى الإنسان مجداً يُنجز أمامه، دون أن يكون هو صاحبه، يتأرجح بين الإعجاب والغيرة، بين الاعتراف والإنكار. وهذا ما يحدث اليوم في أروقة المعارضة السورية: صمتٌ ثقيل، أو نقدٌ مغلف، أو محاولة لإعادة كتابة التاريخ.

لكن التاريخ لا يُعاد كتابته

اللحظة التي سقط فيها النظام، كانت لحظة موزارتية بامتياز. لحظة عبقرية غير متوقعة، لا تُفسَّر بالمنطق التقليدي، ولا تُحتوى في سرديات النخبة. لحظة تُجبر الجميع على إعادة النظر في أنفسهم، وفي دورهم، وفي ما تبقى لهم من أثر.

من الخنادق إلى القصر: حين يتحدث الجسد بلغة الثورة

لم يكن أحمد الشرع يملك شهادات من جامعات باريس أو لندن، ولا كان يتردد على صالونات المثقفين أو مؤتمرات النخبة. بل كان يحمل في جسده شظايا المعارك، وفي صوته صدًى من الكهوف والخنادق. ورغم ذلك، وخلال اثني عشر يومًا فقط من معركة "ردع العدوان"، استطاع أن يلامس وجدان الناس، ويصل إلى قصر الشعب لا كضيف، بل كمخلّص.
هذا القائد خرج من قلب المعاناة، من طبقات شعبية طالما تجاهلها الخطاب الثقافي السوري، بل نعتها بالهمج، والمتطرفين، والنور، والقرباط. تلك الأوصاف لم تكن مجرد كلمات، بل كانت جدراناً فصلت المثقف عن الواقع، وأبقت الثورة في إطار نظري بعيد عن نبض الشارع.
في المقابل، امتلك بعض المثقفين كل أدوات الظهور: الفنادق، الفضائيات، الجوائز، العلاقات الدولية، المؤتمرات، وحتى الاعتراف العالمي. لكنهم، رغم كل ذلك، فشلوا في دخول قلوب الناس. لم يكن ينقصهم المنبر، بل الصدق. لم يكن ينقصهم الدعم، بل التجذّر في الأرض التي تنزف.
وهنا تتجلى "عقدة سالييري" من جديد:
من امتلك كل شيء، ولم يستطع أن ينجز شيئًا. ومن لم يُمنح شيئًا، فصنع كل شيء.

خاتمة السيمفونية

فهل يتجاوز سالييريو الثورة عقدتهم؟
أم يبقون في الظل، يراقبون المجد من بعيد، بينما تُكتب السيمفونية الجديدة دونهم؟


أحدث أقدم

نموذج الاتصال