حين تعود سوريا إلى الضوء، لا تعود وحدها، بل تعيد ترتيب ظلال المنطقة
في نيويورك، وبين جدران الأمم المتحدة التي شهدت على عقود من الغياب، وقف الرئيس أحمد الشرع ليعلن أن سوريا لم تعد رقماً مهمشاً في معادلة الشرق الأوسط، بل طرفاً فاعلاً يعيد رسم حدود الممكن. لم تكن الكلمات مجرد تصريحات دبلوماسية، بل إشارات رمزية إلى أن دمشق اختارت طريقًا ثالثًا: لا انخراط في المحاور، ولا تفريط في السيادة، بل تهدئة مشروطة تعيد التوازن دون أن تساوم على المبادئ.
عودة سوريا إلى المسرح الدولي
في أول ظهور رئاسي سوري على منبر الأمم المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، أعلن الرئيس أحمد الشرع أن بلاده تقترب من اتفاق تهدئة مع إسرائيل، مؤكداً أن "القوة لا تصنع السلام"، وأن "نجاح أي تفاهم سيعزز الاستقرار الإقليمي ويعيد التوازن إلى شرق المتوسط".
جاء ذلك خلال جلسة حوارية نظمها معهد الشرق الأوسط في نيويورك، مساء الثلاثاء، بحضور أكثر من 250 شخصية دبلوماسية وصحفية واقتصادية، ضمن فعاليات الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
الشرع وصف زيارته بأنها "رمز لعودة سوريا إلى المجتمع الدولي"، مشدداً على أن بلاده "لن تستورد نماذج جاهزة"، بل تسعى إلى بناء خطط استراتيجية تعالج أزماتها من الداخل، وتعيد تعريف موقعها كدولة محورية قادرة على كسب ثقة الجميع دون الانخراط في محاور متصارعة.
وأضاف: "أمن الدول المجاورة يبدأ من استقرار سوريا، وأي تقسيم سيضر بالعراق وتركيا ويزعزع أمن المنطقة"، في إشارة واضحة إلى رفض مشاريع التفتيت الجغرافي أو إعادة رسم الخرائط.
اتفاق تهدئة قيد الإنجاز
من جانبه، كشف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، أن دمشق وتل أبيب "على وشك التوصل إلى اتفاق خفض التصعيد"، يقضي بوقف الهجمات الإسرائيلية مقابل التزام سوريا بعدم نشر معدات ثقيلة قرب الحدود، خصوصاً في المناطق المحاذية لهضبة الجولان المحتلة.
وأشار باراك إلى أن الاتفاق سيكون "خطوة أولى نحو تفاهم أمني أوسع"، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان يعتزم الإعلان عنه هذا الأسبوع، لكن "تزامن المفاوضات مع عطلة رأس السنة العبرية أبطأ العملية".
لا اعتراف... ولا تفريط
الرئيس السوري رفض الخوض في أي نقاش حول الاعتراف بإسرائيل، مؤكداً أن بلاده "ليست مصدر تهديد"، بل "تخشى من إسرائيل التي تواصل انتهاك المجال الجوي السوري واختراق الأراضي".
كما شدد على ضرورة "عودة إسرائيل إلى الوضع السابق قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024"، داعياً إلى "نشر قوات أممية كما نص اتفاق فصل القوات عام 1974"، في موقف يعكس تمسك دمشق بالمرجعيات القانونية الدولية دون تقديم تنازلات سياسية.
إشادة بالحراك السوري
تشارلز ليستر، مدير برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط، وصف اللقاء بأنه "حدث تاريخي"، مشيراً إلى أن الحوار تناول قضايا محلية وسياسية ودبلوماسية، بحضور شخصيات أميركية بارزة، من بينها السفير توماس باراك، ومورغان أورتاغوس، والسفيرة السابقة باربرة ليف.
ويأتي هذا الحراك بعد يوم من مشاركة الشرع في جلسة حوارية مع الجنرال ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ضمن فعاليات قمة "كونكورديا"، ما يعكس انفتاحاً دبلوماسياً متسارعاً تقوده دمشق نحو إعادة التموضع الدولي.
"حين تنكسر العزلة، لا يعود الصوت السوري مجرد تصريح... بل يصبح صدىً يعيد تشكيل المعنى في زمنٍ يبحث عن توازن."
التصنيف :
سياسة
