في لحظةٍ نادرةٍ من التاريخ، وقف الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليكسر صمتًا امتدّ لستين عامًا، ويعلن من قلب نيويورك أن سوريا عادت، لا بوصفها ساحة نزاع، بل كدولةٍ ناهضةٍ من رماد الظلم، تحمل راية الحق وتكتب فصلاً جديداً في سردية الشرق.
لم يكن الخطاب مجرد تمثيل رسمي، بل كان شهادة حيّة على انتصار شعبٍ قاوم وحده، بصبر الأمهات، بدماء الشهداء، وبأمل المختفين قسراً. الشرع لم يقرأ من ورقة، بل من ذاكرة وطنٍ مزّقه نظامٌ غاشم، وها هو اليوم يعلن أمام العالم:
> "قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا."
خطاب الشرع من الحكاية إلى الالتزام
استهل الرئيس كلمته بوصفٍ مؤثر للحكاية السورية، قائلًا:
> "الحكاية السورية حكاية تهيج فيها المشاعر ويختلط فيها الألم بالأمل، حكاية صراع بين الخير والشر، وبين الحق الضعيف الذي ليس له ناصر إلا الله، والباطل القوي الذي يملك كل أدوات القتل والتدمير."
وأضاف أن هذه الحكاية ليست مجرد سرد، بل عبرة من عبر التاريخ، وتمثيل حقيقي للمعاني الإنسانية النبيلة.
ثم انتقل إلى توصيف الواقع الذي عاشته سوريا تحت النظام السابق، مؤكدًا أن البلاد خضعت لسلطة غاشمة لمدة ستين عامًا، استخدمت خلالها أبشع أساليب التعذيب، وقتلت نحو مليون إنسان، وهجّرت 14 مليوناً، ودمّرت ما يقرب من مليوني منزل فوق رؤوس ساكنيها.
وأردف قائلًا:
> "لقد انتصرنا في معركة المظلومين والمعذبين والمختفين قسراً، انتصرنا لأمهات الشهداء والمفقودين، انتصرنا لمستقبل أبنائنا وأبنائكم."
وتعهّد أمام المجتمع الدولي بتقديم كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء إلى العدالة، مؤكداً أن سوريا الجديدة لا تعرف الانتقام، بل تؤمن بالمحاسبة القانونية والمؤسساتية.
وفي سياق الحديث عن التحول الوطني، قال:
> "سوريا تحولت من بلد يصدر الأزمات إلى فرصة تاريخية لتحقيق الازدهار في المنطقة برمتها."
وطالب برفع العقوبات بشكل كامل عن سوريا، معتبراً أنها تعيق الاستقرار وإعادة الإعمار، وشدد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، كخطوة أساسية نحو بناء مؤسسات قوية.
أما في ما يخص الاعتداءات الإسرائيلية، فقد أشار إلى أن إسرائيل تواصل انتهاكاتها في الأراضي السورية، وتعمل بشكل يخالف الإرادة الدولية، مؤكداً تمسك سوريا باتفاقية فض الاشتباك، رغم استمرار الخروقات.
وختم الشرع خطابه بالقول:
> "جئتكم من دمشق، عاصمة التاريخ ومهد الحضارات، تلك البلاد التي علّمت الدنيا معنى الحضارة وقيمة الإنسان والتعايش السلمي، غير أن سوريا وقعت تحت وطأة نظام يجهل قيمة الأرض التي حكمها ويقهر الشعب الودود المسالم."
لقاءات سياسية تكشف ملامح المرحلة
على هامش مشاركته، عقد الرئيس الشرع لقاءً مع الرئيس الأمريكي، وصفته مصادر دبلوماسية بأنه "مفتوح وصريح"، ناقش فيه مستقبل سوريا، ملف العقوبات، ودور واشنطن في دعم العدالة الانتقالية.
كما التقى مدير الاستخبارات الأمريكية السابق ضمن فعاليات قمة كونكورديا، ناقش الطرفان قضايا إقليمية ودولية، أبرزها التهدئة مع إسرائيل، مستقبل العلاقات السورية الغربية، ورفع العقوبات عن سوريا، إضافة إلى لقاء مهم مع معهد الشرق الأوسط، حيث ناقش الشرع رؤية سوريا الجديدة، وموقعها في خارطة التحالفات الإقليمية والدولية.
سوريا الجديدة منارة للعدالة
الرئيس الشرع أعلن أن سوريا ستجري انتخابات مجلس الشعب قريبًا، وأن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة باتت في مراحلها النهائية. وشكر الدول التي دعمت الثورة، وعلى رأسها قطر، السعودية، تركيا، والولايات المتحدة، مؤكدًا أن سوريا الجديدة تنتمي لحضارة عريقة، لكنها لا تنتمي لأي وصاية.
من الحكاية إلى الرسالة
كلمة الرئيس الشرع لم تكن مجرد خطاب، بل كانت رسالة إلى العالم: أن سوريا ليست ضحية، بل مثال حيّ على قدرة الشعوب على النهوض، حين يُترك لها الخيار، وحين يُحترم صوتها.
من على منصة الأمم المتحدة، كتب أحمد الشرع أول سطر في رواية سوريا الجديدة، رواية لا تُروى بالدم، بل بالعدالة، ولا تُبنى على الانتقام، بل على المصالحة.
وإن كان الباطل قد ملك أدوات القتل، فإن الحق يملك ما هو أسمى: الإنسان.
التصنيف :
سياسة
