تفكيك جريمة الاستعراض الرقمي وهدم القيم المجتمعية



في زمنٍ تتداخل فيه العدسة مع الضمير، وتُستبدل النوايا بالفلتر، نشهد ظاهرة تتسلل إلى وجدان المجتمع دون مقاومة: استغلال الإنسان نفسه — فقره، جسده، علاقاته، وحتى لحظاته — وتحويله إلى مادة تسويقية تُستهلك وتُنسى.


لكنها ليست مجرد ظاهرة إعلامية عابرة، بل جريمة أخلاقية، وانتهاك قانوني، وصدمة نفسية جماعية تُرتكب يوميًا أمام أعيننا، وتُصفّق لها الخوارزميات.


من استغلال الفقراء إلى تسليع الإنسان

في كل أزمة، يظهر من يحمل الكاميرا لا ليساعد، بل ليُصوّر.
يُقدّم علبة بسكويت، يمدّ قالب كعك، يوزّع عبوات ماء… ثم يلتفت للعدسة، يبتسم، ويبدأ البث المباشر.

لكن المشهد لا يتوقف عند الفقراء.
اليوم، نرى من يُخرج زوجته أمام الكاميرا، يرقص معها، يطبخ معها، يُظهر تفاصيل حياتهما الخاصة، وكأننا في سوق نخاسة رقمي تُعرض فيه العلاقات والخصوصيات للبيع.

فتُختزل المرأة إلى جسد، والرجل إلى مهرّج، والعائلة إلى مشهد قابل للمونتاج.
وهكذا، يُستهلك الإنسان نفسه، لا وجعه فقط.

المعاناة والعلاقات كعملة رقمية

في عالم الاقتصاد الرقمي، كل تفاعل له قيمة.
كل دمعة، كل لحظة حميمة، كل مشهد "مؤثر" قد يُترجم إلى أرباح.

وهنا، تُشيّأ الكرامة وتُحوّل إلى منتج يُستهلك ويُنسى بمجرد انتهاء الفيديو.
هذا لا يعني أن كل محتوى عائلي أو إنساني هو استغلال، لكن الخط الفاصل بين التعبير الصادق والاستعراض الرخيص بات هشًّا، ويزداد هشاشة كلما غابت النية وتقدّمت الكاميرا على الفعل.

القانون الغائب عن الشاشة

في معظم الدول، تصوير الأفراد دون إذنهم يُعدّ انتهاكًا للخصوصية، خصوصًا إذا كانوا في حالة ضعف أو في لحظة شخصية.
لكن في الفضاء الرقمي، تسقط القوانين أمام "النية الطيبة"، ويُبرَّر الاستغلال بأنه "محتوى ترفيهي" أو "عمل خيري".

أين الموافقة الصريحة؟
هل طلب صانع المحتوى إذنًا من الطفل الذي صوّره وهو يبكي؟
هل استأذن زوجته قبل عرض تفاصيل جسدها أو لحظاتها الخاصة؟
هل فكّر في أثر ذلك على أولاده، على مستقبلهم، وعلى نظرة المجتمع لهم؟

أين حماية البيانات؟
هل يدرك هؤلاء أن صورة شخص محتاج أو مشهد خاص قد يلاحقه لسنوات، وتُستخدم ضده في فرص العمل أو التعليم أو حتى الزواج؟

أين المحاسبة؟
لماذا لا تُحاسب المنصات على نشر محتوى ينتهك كرامة الإنسان؟
ولماذا لا تُفعّل قوانين الإعلام على من يمارس "الصحافة الاستعراضية" أو "الاستعراض العائلي" دون ترخيص أو مسؤولية؟.

الصدمة النفسية المُهملة

الاستغلال البصري لا يترك أثرًا على الشاشة فقط، بل في النفوس أيضًا.
فالطفل الذي صُوّر وهو يتلقى المساعدة قد يشعر بالعار بدل الامتنان،
والمرأة التي ظهرت في مشهد "ترفيهي" قد تُختزل في جسدها وتفقد احترامها في مجتمعها،
والعائلة التي كُشف سترها في لحظة خاصة قد تُوصم وتُختزل في لقطة عابرة.

علم النفس يُحذّر من "إعادة التفعيل العاطفي"، حيث تُسترجع الصدمة كلما شاهد الشخص صورته تُستخدم دون إذنه.
وهنا، لا يعود المحتوى مجرد فيديو، بل جرحًا مفتوحًا يُعاد نشره مرارًا وتكرارًا.

المنصات كأدوات للهدم

الخوارزميات لا تملك ضميرًا.
هي تروّج لما يُشاهد، لا لما يُحترم.
تُكافئ المحتوى "العاطفي"، وتُعاقب المحتوى التحليلي، وتُفضّل اللقطة على السياق.

وهكذا، يتحوّل صانع المحتوى من ناقل للواقع إلى مخرج لمشهد إنساني مُفتعل.
والنتيجة؟
جمهور يتفاعل مع الصورة، لا مع القضية.
ومجتمع يُخدَّر بالمشهد، بدل أن يتحرّك نحو الحل.

من المسؤول؟

المسؤولية لا تقع على من يصوّر وحده، بل على من يشاهد ويشارك ويصفّق.
فكل إعجاب على مشهد استغلال هو مشاركة في الجريمة،
وكل تعليق يُشيد بالمشهد دون مساءلة هو تواطؤ ناعم.

نحن بحاجة إلى وعي جديد:
وعي يُعيد للإنسان كرامته، وللصورة معناها، وللإعلام مسؤوليته.

لا تُصوّر الكرامة، بل احترمها

الكرامة لا تُختزل في لقطة.
والوجع لا يُحلّ بمنشور.
والإنسان لا يُسوَّق.

فإن لم يكن في الصورة احترام،
وفي العدسة ضمير،
وفي النشر نية صادقة…

فلا تُسمِّه محتوى.

وسيظل قول النبي ﷺ هو الفيصل:
"إذا لم تستحِ، فاصنع ما شئت."
أحدث أقدم

نموذج الاتصال