الجنوب السوري بين نزع السلاح ونزع القرار


 في تصريح جديد لهيئة البث الإسرائيلية أعلنت إسرائيل استعدادها لبحث الانسحاب من بعض المناطق السورية التي تتواجد فيها، مستثنية قمة جبل الشيخ من أي تفاهم محتمل. هذا التصريح، رغم نبرته الدبلوماسية، يعيد فتح ملف التدخل الإسرائيلي في سوريا، ويكشف عن مشروع أوسع من مجرد "ضمان الأمن": مشروع هندسة سياسية وأمنية للجنوب السوري، يُفرغ السيادة من معناها، ويحوّل الأرض إلى مساحة تفاوض لا تنتهي.


من سقوط النظام إلى تثبيت المواقع: كيف دخلت إسرائيل؟

في 8 كانون الأول 2024، ومع سقوط النظام السوري السابق، نفّذت إسرائيل مئات الغارات الجوية على منشآت عسكرية سورية، بزعم منع وقوعها في "أيادٍ معادية". وفي اليوم ذاته، أعلن الجيش الإسرائيلي انتشاره في المنطقة العازلة المنزوعة السلاح على أطراف الجولان، وهي منطقة أنشأتها الأمم المتحدة بعد حرب 1973، وتخضع لدوريات أممية منذ عقود.

لكن إسرائيل لم تكتف بالانتشار، بل أنشأت تسعة مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، بينها موقعان على قمة جبل الشيخ، وبعضها في مواقع محصنة للجيش السوري السابق. هذه الخطوة أثارت إدانات دولية، واعتُبرت استغلالًا لسقوط النظام من أجل فرض واقع جديد على الأرض.

جبل الشيخ: العين التي لا تُغمض

في آذار 2025، زار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس جبل الشيخ، وأعلن أن الجيش "سيبقى هناك لفترة غير محدودة"، مؤكدًا أن الموقع ضروري لحماية بلدات الجليل والجولان، ولرصد التحركات الإيرانية وحزب الله. هذا التصريح جاء بعد إنشاء منشآت عسكرية وسياحية في سفوح الجبل، في محاولة لتحويل السيطرة العسكرية إلى واقع مدني–اقتصادي.

وفي آب، كرر كاتس موقفه، رافضًا أي انسحاب من الجنوب أو من جبل الشيخ، واصفًا ذلك بأنه "استخلاص أمني من أحداث 7 تشرين الأول". أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فدعا إلى "نزع السلاح الكامل من جنوب سوريا"، في خطاب يعكس رغبة إسرائيل في تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة تخدم أمنها، لا استقرار سوريا.

التصريحات المتناقضة مؤقتة أم دائمة؟

رغم تأكيد السفيرة الإسرائيلية في موسكو، سيمونا غالبرين، أن "إسرائيل لا تطمح للحصول على الأراضي السورية" وأن وجودها "مؤقت"، فإن التصريحات العسكرية والسياسية تناقض ذلك. فإسرائيل ترفض حتى مناقشة ملف الجولان في أي اتفاق سياسي، وتصر على ترتيبات أمنية لا تستند إلى خطوط فصل القوات لعام 1974، كما يطالب الرئيس السوري أحمد الشرع.

هذا التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والواقع العسكري يكشف عن ازدواجية إسرائيلية في التعامل مع الملف السوري: خطاب "مؤقت" للاستهلاك الدولي، وواقع "دائم" على الأرض.

الموقف السوري: السيادة لا تُفاوض

الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن استعداد بلاده لاستقبال قوات أممية في المنطقة العازلة، وطالب إسرائيل بالانسحاب، مؤكدًا أن ذرائع التوغل لم تعد قائمة بعد تحرير دمشق. كما رفضت سوريا رسميًا مطلب إسرائيل بالاحتفاظ بقمم جبل الشيخ، واعتبرته "احتلالًا يجب أن ينتهي".

ورغم تقارير عن احتمال توقيع اتفاق أمني بين الطرفين، فإن العقبات الجوهرية لا تزال قائمة، خصوصًا ما يتعلق بجبل الشيخ ونقاط تمركز الجيش الإسرائيلي في الجنوب. أما الجولان، فهو خارج أي تفاوض، ما دامت إسرائيل ترفض طرحه للنقاش من الأصل.

الجنوب السوري: نزع السلاح أم نزع القرار؟

إسرائيل تصر على تحويل الجنوب السوري إلى منطقة "منزوعة السلاح"، وهو مصطلح تقني يخفي مشروعاً سياسيًا أوسع: نزع القرار السوري، وتحويل الجنوب إلى منطقة رمادية، لا تخضع لدمشق، ولا تُضم رسمياً لإسرائيل. هذا النموذج يعيد إلى الأذهان تجربة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، التي استمرت 18 عامًا، وانتهت بانسحاب قسري لا باتفاق.

كما عرضت إسرائيل الحماية على الأقلية الدرزية في الجنوب، في محاولة لتفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي للمنطقة، وربط بعض مكوناته بها مباشرة.

خاتماً

الجنوب السوري اليوم ليس مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل هو مرآة تعكس التناقضات الإسرائيلية، وتكشف حدود القوة حين تصطدم بالسيادة. فبين خطاب "المؤقت" الذي صار دائماً، والغارات التي لا تتوقف، وبين عين إسرائيل المفتوحة على جبل الشيخ، تكتب تل أبيب فصلاً جديداً من علاقتها بسوريا، فصلًا لا ينتهي باتفاق، بل بتوازنات مؤقتة تُعاد صياغتها كلما تغيّر المشهد.
أحدث أقدم

نموذج الاتصال