بين النص والنية
الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي في 10 آذار 2025، نصّ على وقف إطلاق النار، دمج المؤسسات المدنية والعسكرية، وضمان حقوق كافة السوريين، بما فيهم المجتمع الكردي، ضمن الدولة السورية الموحدة.
لكن الاتفاق، رغم لغته التصالحية، لم يُجب على سؤال جوهري: من يملك القرار في مرحلة ما بعد الدمج؟ وهل يمكن للرمزية أن تحل محل السلطة؟.
مظلوم عبدي: من قائد ميداني إلى مرشح للقيادة العسكرية؟
المسؤولة لمّحت إلى مقترحات بتعيين مظلوم عبدي أو أحد ضباطه في منصب وزير الدفاع أو رئيس الأركان. هذا الطرح، وإن بدا تصالحيًا، يفتح بابًا لتساؤلات حول مدى قبول المؤسسة العسكرية السورية بهذا الدمج الرمزي، خاصة أن قسد تمثل الجناح العسكري للإدارة الذاتية التي تبنّت خطابًا لامركزيًا، بل شبه انفصالي في بعض مراحلها.
صوت الذات ينقسم
منذ توقيع الاتفاق، بدأت تظهر تصريحات متباينة من مسؤولي الإدارة الذاتية، بعضها يؤيد الاندماج التدريجي، وبعضها يرفضه دون ضمانات واضحة للتمثيل السياسي والثقافي.
التصريح الأخير وصف تحقيق الاندماج خلال عام بأنه "أمر خيالي"، وشدد على ضرورة توزيع الصلاحيات، وضمان التعليم باللغة الأم، وتمثيل النساء في مراكز القرار — وهي مطالب تتجاوز البنية التقليدية للدولة السورية، وتضعها أمام اختبار وجودي.
تناقضات التصريحات
في شباط 2025، صرّح علي رحمون، عضو الهيئة الرئاسية في مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، أن موافقة قسد على الانضمام للجيش السوري "نقطة إيجابية وهامة جدًا"، لكنه تساءل: "لمن ستنضم قسد؟" في ظل ضبابية شكل الجيش الجديد، معتبرًا أن رمي السلاح في هذه المرحلة قد يكون مخاطرة.
في المقابل، صدرت تصريحات أخرى من مصادر كردية تؤكد أن قسد وافقت على شروط الحكومة السورية، بما في ذلك الاندماج ضمن وزارة الدفاع، ووصفت التوافق بأنه "تاريخي"، مع دعوة لانسحاب المقاتلين غير السوريين من صفوف قسد، وتفعيل المؤسسات المدنية التابعة للدولة.
أما روهلات عفرين، القيادية في قسد، فاعتبرت أن قسد يمكن أن تكون "نواة الجيش الجديد"، لكنها اشترطت وجود جيش منظم ومنضبط، ما يعكس رغبة في إعادة تعريف الجيش لا مجرد الاندماج فيه.
حتى داخل الإدارة الذاتية، ظهرت تباينات واضحة.
بعض المسؤولين تحدثوا عن ضرورة ضمان الحقوق الثقافية والسياسية قبل أي اندماج، بينما آخرون أبدوا استعدادًا للتفاوض دون شروط مسبقة، ما جعل الموقف العام يبدو وكأنه يتأرجح بين الواقعية السياسية والطموح الرمزي.
إلهام أحمد نفسها كانت قد صرّحت أن "قسد جزء من سوريا وتريد الحفاظ على وحدة البلاد"، لكنها شددت على أن الخلاف مع دمشق يكمن في "تفاصيل المرحلة الانتقالية والأدوات التي ستُستخدم".
وفي أكثر من مناسبة، أكدت أن الإدارة الذاتية لا تسعى للانفصال، بل لحل سياسي يضمن التعددية والتمثيل، لكنها حذّرت من أن أي اندماج دون ضمانات سيكون "غير واقعي".
تركيا: دعم مشروط وتحذير دائم
في ظل تذبذب المواقف داخل الإدارة الذاتية، وغياب خارطة طريق واضحة من دمشق، تبرز تركيا كلاعب إقليمي يراقب اتفاق 10 آذار عن كثب، ويستعد للتدخل في حال فشله.
مصادر تركية ألمحت إلى أن أنقرة قد تدعم الحكومة السورية الجديدة سياسيًا وأمنيًا إذا انهار الاتفاق، خاصة إذا اعتُبر أن قسد لم تلتزم بتفكيك بنيتها العسكرية أو لم تندمج فعليًا ضمن مؤسسات الدولة.
لكن هذا الدعم ليس بلا شروط.
تركيا، التي لطالما اعتبرت قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، حذّرت مرارًا من إنشاء أي كيانات أو جماعات على حدودها الجنوبية تهدد أمنها القومي.
وفي تصريحات رسمية، شددت أنقرة على أن أي تسوية سورية يجب أن تضمن "عدم وجود تنظيمات إرهابية على الحدود"، في إشارة واضحة إلى قسد، حتى بعد اندماجها الرمزي ضمن الجيش السوري.
هذا الموقف التركي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الاتفاق، ويطرح سؤالًا إضافيًا:
هل يمكن لاتفاق داخلي أن ينجو من ضغط إقليمي يرى في بعض أطرافه تهديدًا وجوديًا؟
وهل تستطيع دمشق أن توازن بين مطالب الداخل وتطمينات الخارج، دون أن تفقد سيادتها أو تُعيد إنتاج التبعية؟.
صوت الحذر والأمل
في المدن والبلدات التي عاشت سنوات من التهجير والنزوح، لا يُقرأ الاتفاق السياسي من بنوده، بل من أثره المحتمل على الحياة اليومية.
شريحة واسعة من الأهالي في شمال وشرق سوريا تنظر إلى اتفاق 10 آذار بحذر مشوب بالأمل.
البعض يرى فيه فرصة لتفادي جولات جديدة من المعارك، ولإعادة فتح المدارس والمستشفيات، ولعودة من شُرّدوا إلى بيوتهم.
في المقابل، يخشى آخرون أن يكون الاتفاق مجرد إعادة تدوير للصراع، بصيغة مركزية جديدة لا تعترف بتجاربهم الذاتية ولا تحفظ خصوصيتهم الثقافية.
الناس، في النهاية، لا تطالب بالسلطة بل بالاستقرار.
يريدون دولة لا تبتلعهم، بل تحميهم.
يريدون جيشًا لا يُعيد رسم الهويات، بل يحرسها.
وفي هذا التوازن، يصبح صوت الأهالي هو البوصلة التي تحدد ما إذا كان الاتفاق بداية تسوية… أم مجرد هدنة مؤقتة.
التصنيف :
سياسة
