الحسكة بين مناهج بلا روح واتفاق بلا بداية


في تطور خطير يعكس احتدام الصراع على التعليم والهوية في شمال شرق سوريا، أقدمت قوات "الأسايش" التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على اقتحام وإغلاق عدد من المدارس الخاصة في مدينتي الحسكة والقامشلي، من بينها مدرسة "الأمل" السريانية، دون تقديم أي مبررات قانونية، وسط حالة من الذهول والغضب بين الأهالي والكوادر التعليمية.

مناهج مفروضة ومدارس مغلقة

شملت حملة الإغلاق مدارس تابعة للمكونات المسيحية والسريانية، منها مار قرياقس، السلام، ميسلون، فارس الخوري، والاتحاد، إضافة إلى معاهد تعليمية مثل المنارة، الرواد، القلم، والأمل، التي كانت تعتمد المنهاج السوري الرسمي.  
عناصر "الأسايش" استخدموا القوة لطرد الطلاب والإداريين، ووجهوا إهانات لفظية أثناء الاقتحام، بحسب شهادات من داخل المدارس، في مشهد وصفه الأهالي بأنه "مهين ومفاجئ"، خاصة أنه جاء بعد موافقة مؤقتة من الإدارة الذاتية على فتح المدارس.

الكنائس رفضت شروط الإدارة الذاتية التي تضمنت تدريس مناهجها المؤدلجة، وقصر قبول الطلاب على أبناء المكوّن المسيحي فقط، مقابل السماح بإعادة فتح المدارس. كما هددت بتوجيه بيان إلى المجتمع الدولي لتحميل الإدارة المسؤولية عن تعطيل العملية التعليمية، مؤكدة أن المناهج الحكومية المعتمدة حالياً هي الوحيدة المعترف بها دولياً.

قرار الحظر ... من القامشلي إلى دير الزور

في مطلع أيلول، أعلنت هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية حظر تدريس المناهج الحكومية السورية بشكل نهائي، وفرضت مناهجها الخاصة على أكثر من 100 مدرسة في الحسكة، الرقة، ودير الزور، بما فيها المدارس الحكومية والخاصة والتابعة للكنائس.  
إداريون تحدثوا عن اجتماعات مغلقة أُبلغوا فيها بوقف تدريس مناهج الدولة، وتسليم الكليات لفرع "جامعة الفرات" التابع للإدارة الذاتية، وسط غياب أي ضمانات أكاديمية أو قانونية، ما أثار مخاوف من انهيار المنظومة التعليمية بالكامل.

المربعان الأمنيان ... من النظام إلى "قسد"

بعد سقوط النظام السوري في محافظة الحسكة، سيطرت قوات "قسد" على المربعين الأمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي، وهما آخر رمزين للوجود الرسمي للدولة السورية في المنطقة.  
هذه السيطرة أدت إلى تعطيل كامل للدوائر الحكومية، بما فيها التعليم، المصارف، الهجرة والجوازات، المحاكم، البريد، والنقل، ما تسبب في أزمة إدارية ومعيشية خانقة.  
أكثر من 160 ألف طالب وجدوا أنفسهم خارج العملية التعليمية، فيما طُلب من طلاب الشهادات العامة نقل ملفاتهم إلى محافظات أخرى، في ظل تكاليف مرهقة للأهالي، وغياب أي بديل تعليمي معترف به.

اتفاق 10 آذار ... بداية متعثرة

في ظل هذا الفراغ، كان من المفترض أن يشكل اتفاق 10 آذار بين أحمد الشرع (ممثل الحكومة السورية الجديدة) ومظلوم عبدي (قائد قوات قسد) نقطة تحول في إدارة المحافظة، لكن الاتفاق تعثر منذ لحظاته الأولى، وسط غموض في آليات التنفيذ، وتباين في الرؤى بين مركزية دمشق ولا مركزية الإدارة الذاتية.

بيع المنازل ... هروب من الضغط

تشهد الحسكة موجة متزايدة من بيع المنازل، خاصة من قبل أبناء المكوّن العربي، الذين يواجهون تضييقات معيشية وتعليمية.  
مصادر عقارية تحدثت عن وسطاء يشترون العقارات بأسعار منخفضة لصالح جهات مرتبطة بـ"قسد"، ما أثار مخاوف من محاولة تغيير ديمغرافي ممنهج في المدينة، وسط صمت رسمي وتجاهل دولي.

بين الثورة والهوية

الانتقادات الموجهة لـ"قسد" لم تقتصر على الملف التعليمي، بل امتدت إلى اتهامات بتجنيد قسري للأطفال والنساء، فرض ضرائب تعسفية، تهجير العرب، اعتقالات دون محاكمة، وتعذيب خارج القانون.  
كما اتُهمت بسرقة موارد النفط والغاز لتمويل نشاطاتها العسكرية، بينما يعيش السكان تحت خط الفقر، محرومين من أبسط حقوقهم، وعلى رأسها الحق في التعليم.

في الحسكة، لم تعد المدرسة مجرد بناء، بل باتت مرآة لصراع أعمق: بين مناهج بلا روح، واتفاق بلا بداية، وهوية تبحث عن اعتراف.
 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال