في لحظة سياسية فارقة، شهد الكرملين اليوم لقاءً رسميًا بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أول زيارة للرئيس السوري الجديد إلى موسكو منذ توليه السلطة. اللقاء، الذي وصفته مصادر دبلوماسية بأنه "إعادة ضبط للعلاقات"، حمل رسائل متعددة في الشكل والمضمون، داخليًا وخارجيًا.
رمزية التوقيت والمكان
اختيار موسكو كمحطة يعكس إدراك دمشق لأهمية العلاقة مع روسيا، القوة الدولية التي كانت حاضرة عسكريًا وسياسيًا في الملف السوري منذ عام 2015. اللقاء يأتي في توقيت حساس، بعد سلسلة لقاءات دولية أجراها الشرع، ما يمنحه طابعًا تأسيسيًا لمسار جديد في العلاقات الثنائية.
من التحالف إلى الشراكة المتوازنة
الرئيس بوتين أكد خلال اللقاء أن "روسيا كانت وستبقى شريكًا موثوقًا لسوريا"، مشيرًا إلى استعداد بلاده لدعم مشاريع إعادة الإعمار، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والزراعة. في المقابل، شدد الشرع على أن سوريا "تحترم الاتفاقيات السابقة، لكنها تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بما يضمن استقلال القرار السوري"، في إشارة واضحة إلى رغبة دمشق في الخروج من منطق التبعية الذي طبع العلاقة في عهد الأسد.
الملفات المطروحة: القواعد، الأسد، والاستثمارات
اللقاء تناول ملفات حساسة، أبرزها مستقبل القاعدة الجوية الروسية في الساحل السوري، ومصير الرئيس السابق بشار الأسد الذي يقيم في روسيا. مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن الشرع طرح ملف الأسد ضمن إطار قانوني، مؤكدًا أن "العدالة لا تُلغى بالتفاهمات السياسية".
اقتصاديًا، ناقش الطرفان إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة، مع التركيز على ضمانات قانونية للاستثمارات الروسية، وتسهيلات في قطاع الطاقة والغذاء.
دلالات اللقاء: تثبيت التوازن
هذا اللقاء لا يُقرأ بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي:
- داخليًا: يعزز صورة الشرع كرئيس يتحرك بثقة دوليًا، ويؤسس لعلاقات متوازنة.
- إقليميًا: يوجه رسالة بأن سوريا الجديدة لا تُدار من محور واحد، بل تسعى لشراكات متعددة.
- دوليًا: يمنح روسيا فرصة لإعادة تموضعها في الملف السوري، من داعم لنظام إلى شريك في بناء دولة.
خاتمة
لقاء الشرع وبوتين في موسكو ليس مجرد محطة دبلوماسية، بل هو اختبار لنمط جديد من العلاقات بين دمشق وموسكو، عنوانه: الشراكة المتوازنة، والسيادة المحمية. وبينما تتابع العواصم الإقليمية والدولية هذا التحول، تبقى الأنظار على دمشق: هل تنجح في تثبيت استقلالها دون خسارة حلفائها؟.
