خطوات نحو الدمج: لقاءات دمشق وقسد تفتح باب التنسيق العسكري


في تطور لافت على صعيد العلاقات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عُقد اجتماع رسمي في دمشق جمع وزيري الداخلية والدفاع، أنس خطاب ومرهف أبو قصرة، بوفد من قيادة "قسد" ترأسه القيادي الكردي سيبان حمو، المعروف بقربه من حزب العمال الكردستاني وموقفه الرافض لأي تسوية أمنية شاملة مع دمشق.


مقترحات أمنية دون اختراق سياسي


تركّزت المباحثات على الترتيبات العسكرية والأمنية في منطقة الجزيرة السورية، دون التطرق إلى الملفات السياسية أو الإدارية. وقدّم وفد "قسد" مقترحاً يقضي بتغيير اسم جهاز "الآسايش" إلى "الأمن العام السوري" وربطه إدارياً بوزارة الداخلية، مع الإبقاء على واقع السيطرة الحالي وعدم إدخال وحدات من الجيش السوري إلى المنطقة، على أن تتكفّل الحكومة بدفع رواتب العناصر.


كما طالب الوفد بمنح قواته صفة فيالق مستقلة داخل الجيش السوري في حال الاندماج، بدلاً من دمج المقاتلين كأفراد ضمن التشكيلات النظامية، وهو ما قوبل برفض حكومي صريح، حيث شدّد الجانب السوري على ضرورة انتشار الجيش في الجزيرة كخطوة أولى، مؤكدًا أن عملية الدمج يجب أن تتم دون امتيازات أو شروط خاصة، وأن قوات "قسد" ستُعامل أسوةً ببقية الفصائل المنضوية تحت قيادة الجيش السوري.


زيارة رسمية لتفعيل اتفاق العاشر من آذار


تأتي هذه المباحثات في إطار زيارة رسمية أجراها وفد رفيع من "قسد" إلى دمشق، تهدف إلى بحث ملفات التنسيق الأمني والعسكري، وتفعيل بنود اتفاق العاشر من آذار، الذي ينص على آلية دمج "قسد" ضمن الجيش السوري. وتُعد هذه الخطوة جزءًا من سلسلة لقاءات وتصريحات تعكس تحولات تدريجية في العلاقة بين الطرفين، وسط تساؤلات شعبية حول جدية هذا المسار وإمكانية ترجمته إلى واقع ميداني.


مؤشرات عدم الثقة ومواصلة الحوارات


الوفد الحكومي أثار خلال اللقاء تساؤلات حول استمرار أعمال حفر الأنفاق من قبل "قسد" في مناطق الجزيرة، معتبراً ذلك مؤشراً على غياب الثقة الميدانية. ورغم عدم التوصل إلى تفاهم نهائي، اتفق الطرفان على مواصلة المشاورات خلال الفترة المقبلة للوصول إلى صيغة مقبولة للطرفين.


تصريحات قيادات "قسد": هيكلية عسكرية جديدة وتعاون أمني مشروط


في إطار المفاوضات الجارية مع دمشق، كشفت القيادية في "قسد" فوزة يوسف أن القوات ستنظم نفسها بثلاث فرق عسكرية، مشيرة إلى وجود العديد من التفاصيل التي تحتاج إلى مناقشة مع الحكومة السورية، خصوصًا في ما يتعلق بالأمن الداخلي ومنع أي فراغ أمني في المنطقة.


وفي السياق ذاته، أوضح عضو وفد التفاوض سنحريب برصوم أن الفرق الثلاث ستكون موزعة على ثلاث مناطق ضمن الجزيرة السورية، وستتبع لوزارة الدفاع السورية دون تغيير في بنيتها الحالية. كما أشار إلى أن الوزارة ستُنشئ ألوية خاصة تحت اسم "قسم مكافحة الإرهاب"، تعمل في جميع أنحاء سوريا، بينما تقتصر الفيالق الثلاثة على مناطق الجزيرة فقط، مؤكدًا أنه لن يتم إدخال ألوية جديدة إلى المنطقة.


الإدارة الذاتية: أجواء إيجابية ومفاوضات بنّاءة


الإدارة الذاتية وصفت الاجتماعات بالبناءة، مؤكدة أنها جرت في أجواء إيجابية. وأشارت في بيان لها إلى أن الاجتماع الأول تناول دمج قوات "قسد" في الجيش السوري، بما في ذلك وحدات حماية المرأة، بينما تطرق الاجتماع الثاني إلى دمج الأجهزة الأمنية ضمن وزارة الداخلية. وأضافت أن المفاوضات تُبشّر بحوار بنّاء للغاية، وأن اجتماعات جديدة ستُعقد قريبًا.


الموقف التركي: دعم للاندماج وتحذير من المسارات الخاطئة


الرئيس التركي رجب طيب أردوغان علّق على التطورات بالقول إن اندماج "قسد" مع سوريا في أقرب وقت سيُسرّع خطوات التنمية، مشددًا على ضرورة عدم انجرار "قسد" إلى مسارات خاطئة، ودعم وحدة وسلامة الأراضي السورية. وأضاف أن تركيا تواصل اتصالاتها الشاملة مع سوريا، وأن من يتجه نحو أنقرة ودمشق سيربح، بينما من يبحث عن أوصياء آخرين سيخسر.


رأي الناشطين: الجيش أولاً والمهلة تضيق


فيما عبّر ناشطون عن قناعتهم بأن حلّ مشكلة الجزيرة السورية يكمن في دخول الجيش السوري إلى المنطقة وفرض وجود فعلي له، معتبرين أن المسألة لا تتعلق بعدد الفرق التي ستندمج فيها "قسد"، بل بعودة مؤسسات الدولة. وأشاروا إلى أن غالبية عناصر "قسد" ينتمون إلى المكوّن العربي وهم مستعدون للانضمام إلى الجيش السوري، سواء عبر اندماج فردي أو ضمن فيالق.


وحذّروا من أن الوقت لا يصب في مصلحة "قسد"، إذ أن المهلة الممنوحة لها تمتد حتى نهاية العام الجاري، وهي ليست فقط من جانب الحكومة السورية، بل تأتي أيضًا في إطار تفاهم أمريكي–تركي، ما يجعل "قسد" أمام خيار مصيري لا يحتمل التأجيل.


خلاصة المشهد


المفاوضات بين دمشق و"قسد" تدخل مرحلة دقيقة، حيث تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع الضغوط الإقليمية، وسط محاولات لبناء أرضية مشتركة تضمن وحدة البلاد وتعيد مؤسسات الدولة إلى مناطق الجزيرة. وبينما تبقى التفاصيل محل نقاش، فإن الاتجاه العام يوحي بأن الحسم بات قريبًا... وما علينا إلا أن ننتظر النهاية.

 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال