في مشهد يعكس تحركًا محسوبًا نحو الانفتاح الفني والمؤسسي، أعلنت الحكومة السورية عن تقدم ملموس في مسارين متوازيين: الأول عبر تعزيز التعاون مع صندوق النقد الدولي في المجال الإحصائي، والثاني من خلال الانضمام إلى منصة "بُنى" الإقليمية للمدفوعات. هذان المساران، وإن بديا فنيين في ظاهرهما، يشيران إلى محاولة رسم ملامح جديدة لاقتصاد أكثر انضباطًا وارتباطًا بالمنظومات الإقليمية والدولية.
وزير المالية محمد يسر برنية كشف عن نتائج لقاء جمعه مع مدير دائرة الإحصاء في صندوق النقد الدولي، بيرت كروز، وفريقه الفني، على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدوليين في واشنطن. اللقاء أسفر عن توافق على سلسلة من المحاور التي ستُتابع خلال الأشهر الستة المقبلة، أبرزها إعداد تقديرات الحسابات القومية، بما يشمل احتساب الناتج المحلي الإجمالي، وإيفاد بعثات فنية لدعم إعداد إحصاءات ميزان المدفوعات، وإطلاق مؤشر أسعار المستهلك. كما تم الاتفاق على تطوير إحصاءات المالية العامة، والنقدية والمصرفية، ومؤشرات السلامة المالية، إلى جانب برامج تدريبية تستهدف العاملين في هيئة التخطيط والإحصاء ووزارة المالية والمصرف المركزي، وذلك بالتنسيق مع مركز المعونة الفنية للصندوق في بيروت.
في موازاة ذلك، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، عن انضمام سوريا رسميًا إلى منصة "بُنى" للمدفوعات عبر الحدود، التي أطلقها صندوق النقد العربي. الخطوة، التي وُصفت بأنها "محطة مهمة في تحديث أنظمة الدفع"، جاءت خلال لقاء جمع الحصرية مع الوزير برنية ورئيس صندوق النقد العربي فهد التركي. وتهدف المنصة إلى تمكين المؤسسات المالية السورية من إرسال واستقبال المدفوعات بالعملات العربية والدولية بكفاءة أعلى، وسرعة أكبر، وتكاليف أقل، مع تقديم خدمات المقاصة والتسوية وفق معايير الأهلية.
منصة "بُنى"، التي تُعد نظامًا إقليميًا متعدد العملات، تتيح للبنوك المركزية والتجارية إجراء عمليات الدفع عبر الحدود ضمن المنطقة العربية وخارجها، وتُشكل جزءًا من بنية تحتية مالية تسعى لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي. الحصرية أشار إلى أن الانضمام للمنصة سيسهم في تحسين تجربة العملاء وتطوير خدمات الدفع، بما في ذلك الدفع الفوري، وهو ما يُعد تطورًا نوعيًا في بيئة مالية تعاني من عزلة طويلة.
هذه التحركات، وإن كانت في ظاهرها تقنية، تحمل في طياتها إشارات سياسية واقتصادية إلى رغبة الحكومة السورية الانتقالية في إعادة بناء الثقة مع المؤسسات الدولية، وتحديث أدواتها الإحصائية والمالية بما يواكب المعايير العالمية. فبين تعزيز الشفافية عبر البيانات، والانخراط في شبكات الدفع الإقليمية، تبرز محاولة لإعادة تموضع اقتصادي تدريجي، قد لا يحمل بعد طابعًا إصلاحيًا شاملًا، لكنه يضع أسسًا فنية لا يمكن تجاهلها في أي مسار مستقبلي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تمهد هذه الخطوات الفنية الطريق نحو انخراط أوسع في برامج الدعم والإصلاح؟ أم أنها تظل محصورة في نطاق التعاون التقني دون ترجمة سياسية واقتصادية شاملة؟ الإجابة ستتوقف على قدرة الحكومة على تحويل هذه المبادرات إلى مسارات مستدامة، وعلى مدى استعداد الشركاء الدوليين للانخراط في عملية تتجاوز الإحصاء والدفع، نحو إعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس أكثر توازنًا وشفافية.
التصنيف :
اقتصاد
