في ظل الحراك السياسي المتسارع بشأن مستقبل شمال وشرق سوريا، برزت تصريحات متقابلة من الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تكشف عن مساعٍ متبادلة للتفاهم، وسط تباينات في الرؤية حول آليات الدمج، وهوية القوات، ومصير المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.
تفاهمات عسكرية ومدنية ولقاءات المحافظين
وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أكد في تصريحات متلفزة أن الاجتماع الأخير بين اللجان العسكرية التابعة للحكومة وممثلين عن قسد شهد تقدمًا مهمًا، مشددًا على أهمية التفاهم العسكري والمدني بين الطرفين.
وأشار إلى أن وفدًا من قسد التقى بمحافظي حمص وحلب ودمشق، بهدف الاطلاع على صلاحيات الإدارة المدنية، وتوضيح الجوانب غير المفهومة، في خطوة اعتبرها تمهيدًا للاندماج المؤسساتي.
دعوة للدمج السريع وتحذير من التعنت
الشيباني شدد على أن الوقت قد حان لدمج قسد في الجيش السوري الجديد، محذرًا من أن "من يسعى لربح كل شيء قد يخسر كل شيء"، في إشارة إلى رفض الحكومة لأي شروط تعيق التفاهم.
وأضاف أن الحكومة منفتحة على كل الطلبات التي تخدم مصلحة الشعب ووحدة البلاد، بينما أي مطالب للفيدرالية أو التقسيم "مرفوضة وغير قابلة للتفاوض".
تحفظات قسد : الشراكة مشروطة واحترام الهوية
في المقابل، قال سيبان حمو، عضو القيادة العامة لقسد وعضو اللجنة العسكرية للتفاوض، إن انضمام قسد إلى الجيش السوري الجديد "مشروط باحترام هوية قسد ونضالها"، مؤكدًا أن الفوضى الأمنية والقتل الجماعي في البلاد أظهرا الحاجة لاستمرار قسد كقوة ضامنة للاستقرار.
وأضاف أن الاجتماع الأخير في دمشق جرى في أجواء إيجابية، لكنه اقتصر على وعود شفهية من الجانب الحكومي، معتبرًا أن الحكومة السورية "ما زالت عاجزة عن بث الأمان والطمأنينة بين المكونات السورية" حسب تعبيره.
وحدات حماية المرأة : استقلالية غير قابلة للتنازل
القيادية في قسد، روهلات عفرين، أكدت أن وحدات حماية المرأة تمتلك هيكلًا مستقلًا داخل قسد، ولن تكون جزءًا من أي عملية دمج، بل تسعى إلى "شراكة عادلة تحترم مبادئ الثورة النسائية"، في موقف يعكس تمسكًا بالخصوصية التنظيمية.
الملف الكردي والهوية الوطنية
الشيباني كشف عن وجود نحو 200 ألف كردي بدون جنسية سورية، مؤكدًا قدرة الحكومة على معالجة هذا الملف ضمن المنظومة الوطنية، ومشيرًا إلى أن وصول الأكراد إلى المناصب الحكومية كان محدودًا سابقًا، بينما المرحلة المقبلة تتيح لهم دورًا فاعلًا.
كما أوضح أن عيد النيروز لم يُدرج كعطلة رسمية، لكنه قابل للنقاش ضمن المؤسسات الرسمية، مؤكدًا أن "ليس كل خلاف مسألة حياة أو موت".
الانتخابات والتمثيل السياسي
المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، أوضح أن تحديد موعد جديد للانتخابات في الرقة والحسكة مرهون بتطور تطبيق اتفاق 10 آذار.
فيما كشف صالح مسلم أن اللجنة الكردية طلبت لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، دون أن تتلقى ردًا حتى الآن.
البُعد الدولي والدبلوماسي
الشيباني أكد أن الحكومة نجحت في إقناع الدول المعنية بملف قسد بأن اتفاق 10 آذار ضروري لمصلحة سوريا، مشيرًا إلى أن مناقشة كل ملف على حدة "أمر طويل ومعقد".
كما شدد على أن مشاركة سوريا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت "بصمة تاريخية"، وأن خطاب الرئيس الشرع "اختصر الحكاية السورية"، في تحول وصفه بـ"التاريخي" في الدبلوماسية السورية.
الموقف التركي: الأمن القومي أولاً وتحذيرات صريحة
في سياق متصل، علّق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على اتفاق 10 آذار، مؤكدًا أن تركيا تتابع تطوراته عن كثب، وتتعاون مع سوريا في حال ظهور أي عراقيل أو تطورات سلبية.
وأضاف أن بلاده تجري محادثات مع "الأصدقاء الأمريكيين"، الذين بدورهم يتواصلون مع "YPG"، ما يتيح لأنقرة قراءة مواقف الأطراف وتحديد من يسعى فعليًا للتقدم ومن يماطل.
وشدد فيدان على أن القضية بالنسبة لتركيا "تتعلق بالأمن القومي"، مشيرًا إلى أن "YPG" لم تقدم أي التزامات واضحة بشأن تفكيك الأنفاق أو إزالة أنظمة الصواريخ أو إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من المنطقة.
وفيما يتعلق بتنفيذ اتفاق آذار، أوضح فيدان أن الخطوة الأولى كان يُفترض أن تبدأ بسحب وحدات حماية الشعب من المدن العربية، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن. كما أشار إلى أن دمشق اقترحت بدء عملية دمج القوات من مدينة دير الزور باعتبارها مدينة عربية، لكن الطرفين لم يوقعا أي اتفاق مكتوب حتى اللحظة.
وكشف أنه أجرى اتصالًا مطولًا مع الوزير السوري أسعد الشيباني مساء أمس، وتبيّن من خلاله أن الاجتماعات الأخيرة لم تسفر عن أي اتفاق فعلي، ما يعكس حجم التباين القائم بين الطرفين.
وفي تحذير لافت، قال فيدان: "هؤلاء بمثابة فيروسات، لا تأخذوهم إلى جانبكم، فأنتم أجسامكم ضعيفة وليست قوية مثل تركيا. هؤلاء الفيروسات يسببون لنا بعض الحمى في الداخل، لكن قد يكونون مميتين بالنسبة لكم"، في تصريح يعكس تصاعد القلق التركي من أي تقارب محتمل بين دمشق وقسد دون ضمانات أمنية واضحة.
بين الدمج والتمثيل … مسار تفاوضي محفوف بالتحديات
بين دعوات الحكومة للدمج السريع، ومطالب قسد بالحفاظ على الهوية والاستقلالية، ومخاوف تركيا الأمنية، يبدو أن اتفاق 10 آذار يواجه اختبارًا حقيقيًا في التطبيق.
المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة الأطراف المحلية والدولية على تحويل الوعود إلى خطوات عملية، وعلى مدى استعداد المؤسسات الرسمية لاستيعاب التنوع السياسي والعسكري ضمن إطار وطني جامع، دون تجاهل الهواجس الإقليمية.
