في خطوة وُصفت بأنها تاريخية، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون موازنة الدفاع لعام 2026، متضمناً بنداً يقضي بإلغاء قانون قيصر، إلى جانب نحو 19 قانوناً آخر. هذه الخطوة، رغم أنها لا تعني الإلغاء النهائي بعد، تُعدّ تقدّماً كبيراً نحو إنهاء العقوبات التي فُرضت على سوريا في مرحلة النظام السابق، عقب المجازر والانتهاكات التي طالت السوريين خلال الثورة.
السيناتور جين شاهين وصفت التصويت بأنه "إنجاز تاريخي في العلاقات الأميركية السورية"، مؤكدة أن الطريق نحو الاستقرار بدأ يتضح، وأن الكرة الآن في ملعب مجلس النواب الأميركي، الذي عليه إقرار النسخة النهائية من التشريع.
قانون قيصر: من أداة عقاب إلى لحظة مراجعة
قانون قيصر، الذي صدر عام 2019، استند إلى وثائق وصور مسرّبة من سجون النظام السابق، وكان يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن القمع، لكنه امتد ليؤثر على حياة السوريين كافة، عبر تجميد الاستثمار، تقييد التعاملات المالية، وعرقلة إعادة الإعمار.
اليوم، وبعد نجاح الثورة السورية واستلام الرئيس الشرع لمقاليد الحكم، تأتي هذه الخطوة كمؤشر على بداية مرحلة جديدة، تُعيد لسوريا سيادتها، وتفتح الباب أمام التعافي السياسي والاقتصادي.
لكن من المهم التوضيح أن القانون لم يُلغَ بعد نهائياً، بل ما يزال بحاجة إلى موافقة مجلس النواب الأميركي، ثم توقيع الرئيس، ليصبح الإلغاء دائماً وغير مشروط. العقوبات الحالية ما تزال معلّقة بأمر رئاسي يُجدّد كل ستة أشهر، ما يعني أن الطريق نحو الإلغاء الكامل يتطلب تنسيقاً سياسياً وتشريعياً متواصلاً.
موقف "سوريون مسيحيون في أمريكا": صوت إنساني من المهجر
منظمة "سوريون مسيحيون في أمريكا" كانت من أبرز الجهات التي دفعت باتجاه الإلغاء، عبر رسالة وقّعها 26 رجل دين، دعوا فيها الكونغرس إلى إنهاء القانون والعقوبات الثانوية، مؤكدين أن استمرارها يُهدد الوجود المسيحي في سوريا، ويمنع إعادة إعمار الكنائس، ويعيق دعم المجتمعات المحلية من قبل السوريين في المهجر.
"إلغاء قانون قيصر مسألة حياة أو موت"، كما جاء في الرسالة، التي اعتبرت أن رفع القانون سيسمح بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويُعيد لسوريا تنوّعها التاريخي.
ترحيب الحكومة السورية: خطوة نحو السيادة
الحكومة السورية رحّبت بالتصويت، واعتبرته "خطوة تاريخية"، مؤكدة أن رفع القيود الاقتصادية سيسمح بإعادة بناء المؤسسات، وتطوير التعليم، كما جاء في تصريح وزير التربية والتعليم الدكتور محمد عبد الرحمن تركو:
"إعادة بناء التعليم ليست مجرد مشروع تربوي، بل هي مشروع وطني لبناء الإنسان وإحياء الأمل في عقول الأجيال القادمة."
هذا التصريح يعكس كيف يُنظر إلى إلغاء القانون كفرصة لإطلاق خطة وطنية شاملة، تستند إلى الشراكة، الابتكار، واستثمار الطاقات السورية.
موازنة الدفاع: التمويل كأداة لإعادة التشكيل
بالتوازي مع التصويت على إلغاء قانون قيصر، أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي موازنة دفاعية ضخمة تبلغ 925 مليار دولار، تتضمن تخصيص 130 مليون دولار لدعم "قوات سوريا الديمقراطية" و"جيش سوريا الحرة"، موزّعة على الرواتب، التدريب، الدعم اللوجستي، والصيانة.
هذا التمويل يعكس استمرار الرهان الأميركي على هذه القوى، لكنه أيضاً جزء من خارطة طريق لإعادة دمج الشمال الشرقي في الدولة السورية، كما اقترح معهد واشنطن، الذي دعا إلى خطوات متبادلة لبناء الثقة بين "قسد" ودمشق، تشمل:
- الاعتراف بسيادة الحكومة المركزية
- تسليم المعابر والموارد النفطية
- الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش
- تولي مسؤولية مراكز الاحتجاز
الطريق مفتوح لكن العقبات قائمة
رغم أن قانون قيصر لم يُلغَ بعد نهائياً، إلا أن إدراج بند الإلغاء ضمن موازنة الدفاع يُعدّ أقوى مؤشر حتى الآن على قرب إنهائه.
لكن سوريا ما تزال تواجه تحديات كبيرة، البنية التحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، والمؤسسات تحتاج إلى تحديث ، والأهم أن المجتمع يحتاج إلى مصالحة وطنية شاملة.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تُظهر أن السلام والازدهار باتا في متناول اليد، وأن مرحلة جديدة من إعادة الإعمار، وتحسين الاقتصاد، وبناء الدولة السورية الحديثة قد بدأت ملامحها بالظهور.
إنها لحظة واعدة، لكنها تتطلب يقظة، تنسيق، واستمرار في العمل الوطني حتى تتحقق سوريا الحرة المزدهرة التي نحلم بها جميعاً.
