في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار العدالة الانتقالية، أعلنت وزارة العدل عن إلغاء ملاحقات قضائية شملت أكثر من 287 ألف قضية، تتعلق بـ68 نوعاً من الجرائم التي كانت تُستخدم سابقاً لتقييد حركة المواطنين وقمعهم تحت ذرائع أمنية.
تفكيك إرث النظام السابق
القرار، الذي أعلنه مسؤول الاتصال الحكومي في وزارة العدل محمد سامر العبد، يشمل إلغاء النشرات الشرطية ومذكرات البحث الصادرة عن القضاء العسكري في عهد نظام الأسد، حيث كانت تُستخدم هذه الأدوات لتكميم الأفواه وملاحقة المدنيين بتهم فضفاضة مثل "الإرهاب"، "التحريض"، و"إضعاف الشعور القومي".
العديد من هذه القضايا كانت مبنية على تقارير كيدية، أو على مجرد مشاركة في مظاهرة، أو حتى امتلاك منشور إلكتروني ينتقد السلطة.
نهاية محاكم الإرهاب وبداية المحاسبة
القرار يأتي بعد انتهاء عمل اللجان القضائية المختصة في محاكم الإرهاب، والتي كانت تُدار خارج الأطر القانونية التقليدية، وبدء العمل في محاكم القضاء العسكري الجديدة التي تخضع لرقابة مدنية وتشريعية.
الجرائم المشمولة بالقرار
القضايا التي تم إلغاؤها تشمل تهم التظاهر، مزاولة مهنة الصرافة دون ترخيص، تسهيل الفرار، حيازة سلاح، والاتجار بالسلع المدعومة. وهي تهم كانت تُستخدم لتجريم النشاط المدني والاقتصادي في مناطق المعارضة أو النزوح.
استثناءات ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات
استُثنيت من القرار القضايا التي تشكل جنايات خطيرة أو تتعلق بحقوق شخصية، والتي ستخضع للدراسة وفق الأصول القانونية المعتمدة.
في المقابل، بدأت الجهات القضائية بفتح ملفات الانتهاكات التي ارتُكبت بحق المواطنين، بما في ذلك التعذيب، الإخفاء القسري، والقتل خارج القانون، مع توجيه مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السابقين وضباط الأمن المتورطين.
رمزية القرار في الذاكرة الوطنية
يمثل هذا القرار لحظة رمزية في تاريخ سوريا، حيث يُطوى ملف طويل من القمع القضائي، وتُفتح صفحة جديدة نحو العدالة والمصالحة.
ففي عهد النظام السابق، كانت العدالة أداة للترهيب، أما اليوم، فهي تُستعاد كحق للمواطن، وسلاح لمحاسبة الجلادين لا لتبرير أفعالهم.
تجدر الإشارة إلى أن الإفراجات الجماعية عن المعتقلين بدأت منذ لحظة سقوط النظام قبل عدة أشهر، حين فُتحت أبواب السجون أمام آلاف المدنيين الذين سُجنوا ظلماً، والقرار الحالي يُعد استكمالاً قانونياً لتلك اللحظة، ويؤسس لمرحلة جديدة من العدالة الانتقالية.
في لحظة سقوط التهم، لم تُغلق فقط أبواب السجون، بل فُتحت أبواب الذاكرة والمحاسبة.
