رغم مرور أشهر على اتفاق العاشر من آذار، لا تزال المفاوضات بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية تراوح مكانها، وسط تصريحات متباينة تكشف عمق الخلافات حول طبيعة الحل وشكل الدولة السورية المستقبلية.
فوزة يوسف: لا تقدم دون طرف دولي ثالث
رئيسة لجنة التفاوض في «قسد»، فوزة يوسف، أكدت أن اللقاءات الرسمية مع دمشق لم تحقق أي تقدم ملموس، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في مكان الاجتماع، بل في غياب جهة دولية ضامنة للحوار. يوسف اقترحت البدء بملفات أقل حساسية مثل التعليم والمعابر، معتبرة أن ذلك قد يبني الثقة قبل الانتقال إلى الملفات الكبرى.
كما طرحت إمكانية التفاهم حول السجل المدني والعقارات ضمن نظام لا مركزي، لكنها أشارت إلى رفض وفد دمشق التجاوب. وأكدت أن التخلي عن التعليم باللغة الأم أمر غير ممكن، في حين تصر دمشق على البدء بالملفات الأمنية والعسكرية، وهو ما ترفضه «قسد» باعتباره تهديدًا لمبدأ اللامركزية.
بين اللامركزية الإدارية والانفصال المقنّع
في المقابل، ترى مصادر سياسية أن المطالبة بوجود طرف دولي ثالث تمثل محاولة لتدويل الملف السوري، وتحويله من شأن داخلي إلى قضية دولية، ما يمنح «الإدارة الذاتية» شرعية رمزية على الساحة الدولية. كما يُنظر إلى طرح ملف التعليم كمدخل للاعتراف بـ«قسد» كجهة مسؤولة عن المناهج، وهو ما ترفضه دمشق باعتباره تأسيسًا لحكومة أمر واقع.
ويُنتقد استخدام مصطلح "اللامركزية" بوصفه غطاءً لمشروع انفصال إداري، إذ أن اللامركزية الإدارية في الدستور السوري تعني تفويض صلاحيات للمحافظات، لا إنشاء أجهزة أمنية ومناهج منفصلة تحت إدارة ميليشيا مسلحة.
أما ملف السجل المدني والعقارات، فيُعتبر الأخطر من التعليم، لما له من تأثير مباشر على هوية السكان وحقوقهم في الإقامة والتملك، ما قد يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية تمهّد لانفصال عملي.
بدران جيا: السلاح خط أحمر
القيادي في «قسد»، بدران جيا، شدد على أن أي هجوم على قواته سيغيّر الموازين السياسية والعسكرية، مؤكدًا أن تسليم السلاح غير مطروح، ما يعكس تمسكًا واضحًا بالقوة العسكرية كأداة تفاوض.
إلهام أحمد: بين لغة الاندماج وذاكرة الثورة
في تصريحات متفرقة، أكدت إلهام أحمد تعثر الحوار مع دمشق رغم توافق مبدئي، مشيرة إلى أن الخلاف حول دير الزور تمحور بين "التسليم" الذي تريده الحكومة و"الاندماج" الذي تطالب به «قسد». كما انتقدت ما وصفته بمماطلة دمشق وتمسكها بالدستور كوثيقة غير قابلة للنقاش، مكتفية بعرض قانون الإدارة المحلية رقم 107.
وفي سياق آخر، برّرت أحمد غياب الكرد عن الثورة السورية برفض رفع علمهم، وهو ما اعتبره مراقبون تجاهلًا لمشاركة مناطق كردية في المظاهرات منذ بداياتها، حيث رُفع العلم الكردي إلى جانب علم الثورة، في مشهد وحدوي سبق الانقسامات.
قره سو: الإدارة المشتركة لا تعني الاستسلام
وكان القيادي في حزب العمال الكردستاني، مصطفى قره سو، قد قدّم قراءة سياسية حادة للاتفاق، مؤكدًا أن التفاهم لا يعني استسلامًا، بل إدارة مشتركة لسوريا. تصريحاته حملت نبرة تحذيرية، مشددًا على أن شمال وشرق سوريا لن يستسلم، وأن النساء هناك لن يقبلن بسياسات دمشق تجاه المرأة.
رد الحكومة السورية: لا رفض بل غياب تنسيق
مصدر مسؤول في الحكومة السورية نفى ما تم تداوله حول رفض استقبال وفد «قسد»، موضحًا أن وصول الوفد جرى دون تنسيق مسبق، ما يعكس خللاً في آليات التواصل أكثر من كونه موقفًا سياسيًا.
بين التفاوض والتفكيك
المفاوضات بين دمشق و«قسد» لا تزال محكومة بتباينات جوهرية في الرؤية، بين من يطالب بإدارة مشتركة ضمن نظام لا مركزي، ومن يصرّ على استعادة السيادة الكاملة. وبينهما، تتداخل ملفات التعليم والسجل المدني والعقارات، لتتحوّل من قضايا إدارية إلى مفاتيح سياسية تحدد مستقبل سوريا ووحدتها.
هل يمكن للملفات المدنية أن تكون مدخلًا لوحدة وطنية؟ أم أنها بوابة لانفصال ناعم تحت غطاء اللامركزية؟
الأسئلة مفتوحة، والإجابات مرهونة بجدية الحوار، لا بعدد اللقاءات.
