تقرير واشنطن بوست يعمّق الجدل حول «قسد» ومستقبل اتفاق 10 آذار في سوريا


أعاد تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية خلط الأوراق في الملف السوري، بعدما كشف عن شبكة دعم مالي وعسكري معقدة بدأت منذ كانون الأول 2024، شملت تقديم إسرائيل رواتب شهرية ومساعدات عسكرية لقوات محلية يقودها الشيخ حكمت الهجري في جنوب سوريا، في تطور يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة التحالفات غير المعلنة وحدودها في البلاد.


وبحسب التقرير، تضمّن الدعم الإسرائيلي دفع رواتب شهرية تراوحت بين 100 و200 دولار لنحو 3,000 مقاتل درزي، إضافة إلى إرسال معدات عسكرية غير قاتلة، مثل الدروع الواقية والإمدادات الطبية. كما أشارت الصحيفة إلى دور لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» في لعب دور الوسيط المالي، عبر تحويل مبالغ وصلت إلى نحو نصف مليون دولار، فضلًا عن استمرارها في تدريب مجموعات درزية في شمال شرقي سوريا.



ونقلت واشنطن بوست عن قيادي في قوات الهجري تأكيده حصول مجموعته على صواريخ مضادة للدبابات من «قسد»، في حين تحدثت مصادر أخرى عن إعداد خرائط أولية لمشروع كيان درزي يمتد حتى العراق، مع تأكيد الصحيفة أن هذه الخطط لم تُحسم بعد، وأن إسرائيل تتوخى الحذر في دعم أي مشاريع انفصالية واسعة.



موقف تركي موحّد: تحذير من تعطيل اتفاق 10 آذار



في أعقاب التقرير، صعّدت تركيا لهجتها تجاه «قسد». وقال عمر تشيليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، إن «قسد أخطأت بالاعتماد على وعود إسرائيل بدل تنفيذ اتفاق 10 آذار»، مؤكدًا أن هدف أنقرة يتمثل في تفكيك حزب العمال الكردستاني (PKK) وفروعه في سوريا وإيران وأوروبا، بما يضمن عيش الأتراك والكرد والعرب معًا في منطقة خالية من الإرهاب.



بدوره، شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن استقرار سوريا يمثل أولوية استراتيجية لبلاده، موضحًا أن لقاءاته الأخيرة مع القيادة السورية تناولت ملفات ثنائية وإقليمية، من بينها اندماج قوات سوريا الديمقراطية عبر الحوار. وأشار فيدان إلى أن إلغاء قانون قيصر رسميًا بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنمية وإعادة الإعمار في سوريا، مؤكدًا أن تنفيذ اتفاق 10 آذار يخدم جميع الأطراف، لكنه لفت إلى أن «قسد لا تُبدي نية حقيقية للتقدم»، وأن محادثاتها مع إسرائيل تعرقل جهود الاندماج.



دمشق: حرص على الاتفاق وتحذير من الاستفزاز



في دمشق، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن «قسد حاولت إفشال اتفاق 10 آذار»، مشددًا على أن القيادة السورية حريصة على إنجاح الاتفاق وعدم الانجرار إلى الاستفزازات. وأوضح أن الاتفاق ينتهي مع رأس السنة، وأن الحكومة تعطي الأولوية لأي تفاهم يجنّب المدنيين الفوضى، لكنها في الوقت نفسه سترد على أي استفزازات قبل المضي في تثبيت الاتفاق.



من جانبه، قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن «قسد لا تُظهر جدية في تنفيذ اتفاق 10 آذار»، محذرًا من أن أي تأخير في اندماجها ضمن الجيش السوري يضر بمنطقة الجزيرة ويعرقل جهود إعادة الإعمار. وأكد أن دمشق تلقت ردًا رسميًا من «قسد» وتدرسه حاليًا، مشددًا على أن الجزيرة جزء أساسي من سوريا وتحظى باهتمام الدولة، ومشيرًا إلى أن مباحثاته مع الوفد التركي شملت ملفات أمنية واستخبارية تتعلق بشمال شرقي البلاد.



الميدان يضغط: أحداث حلب تذكير بكلفة التأخير



وتزامنت هذه المواقف السياسية مع أحداث أمنية شهدتها مدينة حلب، أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع الميداني، وأظهرت كيف يمكن لأي توتر سياسي أو تعثّر في تنفيذ الاتفاقات أن ينعكس سريعًا على الأرض، لا سيما في مناطق ذات حساسية أمنية عالية، وفي مشهد لا يحتمل مزيدًا من التصعيد أو الفراغ الأمني.



موسكو على خط المواجهة



في السياق التحليلي، لفتت الأنظار زيارة الوفد السوري إلى موسكو بعد ساعات فقط من زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى دمشق، ضم وزير الخارجية ووزير الدفاع ومسؤولين في جهاز الاستخبارات. ويرى محللون أن هذه الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل هدفت إلى تثبيت موقف دمشق بعد لقاء أنقرة، وتنسيق سياسي وأمني مع روسيا، ودراسة سيناريوهات إنهاء ملف «قسد» دون انفجار شامل، إلى جانب حماية خطوط الهدنة والمناطق الخاضعة لسيطرة الدولة أمام أي تحرك إسرائيلي محتمل.



ويشير التوقيت إلى أن دمشق تدرك أن ملف «قسد» لا يُحسم ميدانيًا فقط، بل يتطلب تنسيقًا دوليًا مع موسكو، التي تلعب دورًا محوريًا في ضبط التوازن مع أنقرة، بما في ذلك نشر الدوريات الروسية جنوب شرقي البلاد، وتفعيل قاعدة حميميم، وإعادة ترتيب القواعد الروسية في القامشلي قبل رأس السنة.



خاتماً



تكشف التطورات الأخيرة أن اتفاق 10 آذار لم يعد مجرد ورقة تفاهم، بل بات اختبارًا حقيقيًا للنوايا والقدرة على التنفيذ. وبينما تسعى دمشق إلى تثبيت سيادتها، وتعمل أنقرة على إغلاق ملف التنظيمات المصنفة إرهابية على حدودها، تجد «قسد» نفسها أمام مفترق طرق حاسم: إما الانخراط الجدي في مسار الاندماج، أو الاستمرار في سياسات المسارات المتعددة، وهي سياسات أثبتت التجربة السورية أنها غالبًا ما تقود إلى مزيد من التوتر بدل الاستقرار.

زيارة موسكو وتحركات اللاعبين الإقليميين تشير إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، وأن التغييرات القادمة في شرق سوريا باتت أقرب من أي وقت مضى.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال