شهدت مدينة حلب شمالي سوريا يوم الاثنين واحدة من أعنف جولات الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث تركزت المواجهات في محيط دواري شيحان والليرمون المتاخمين لحيي الأشرفية والشيخ مقصود الخاضعين لسيطرة قسد.
القصف المتبادل والاشتباكات بالرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون و"آر بي جي" خلّفت قتيلين وأكثر من عشرة مصابين، بينهم مدنيون وعناصر من الدفاع المدني، وأدت إلى نزوح عشرات العائلات وإغلاق طريق غازي عنتاب – حلب، إضافة إلى توقف مصانع في المنطقة بسبب كثافة النيران.
الحكومة السورية اتهمت قسد بالهجوم المفاجئ على نقاط الجيش والأمن الداخلي، مؤكدة أن قواتها اكتفت بالرد على مصادر النيران دون تغيير خطوط السيطرة. في المقابل نفت قسد هذه الاتهامات وقالت إنها ردّت على "اعتداءات فصائل حكومة دمشق"، مؤكدة إصابة عناصرها ومدنيين بينهم طفلة جراء القصف الحكومي. مراسلو الجزيرة والعربية نقلوا مشاهد نزوح وإخلاء من محيط الأشرفية والليرمون، مع احتراق منازل في حيّي السريان والجميلية، وانقطاع الطرق المؤدية إلى الشيخ مقصود والأشرفية. وزارة الطوارئ السورية تحدثت عن إصابة اثنين من كوادر الدفاع المدني، ووصفت استهدافهم بأنه "جريمة خطيرة" وانتهاك للقانون الدولي الإنساني.
ومع تصاعد القصف، أصدرت قيادة أركان الجيش أمرًا بوقف استهداف مصادر نيران قسد بعد "تحييد عدد منها"، فيما أعلنت الأخيرة وقف الرد على هجمات الحكومة استجابة لاتصالات التهدئة الجارية. محافظ حلب عزام الغريب أعلن تعليق الدوام في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية يوم الثلاثاء، في خطوة تعكس حجم القلق من تجدد المواجهات. ورغم هذه التهدئة، استمرت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، حيث تحدثت وسائل الإعلام الرسمية عن استهداف قسد لمستشفى الرازي ونقاط الأمن الداخلي، بينما أكدت قسد أن الجيش هو من بدأ الهجوم العنيف مستخدمًا الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
الاشتباكات جاءت في توقيت حساس، إذ تزامنت مع مؤتمر صحفي مشترك في دمشق بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره التركي هاكان فيدان. الشيباني قال إن الحكومة لم تلمس "إرادة جدية" من قسد لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار، الذي ينص على دمج مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة، بما في ذلك اندماج قواتها في الجيش السوري قبل نهاية العام، إضافة إلى سيطرة الدولة على المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز وضمان عودة المهجّرين. فيدان من جهته اعتبر أن قسد تعرقل وحدة سوريا، مشيرًا إلى أن التنسيق بينها وبين إسرائيل يشكّل عقبة أمام تنفيذ الاتفاق، وذلك خلال زيارة مشتركة مع وزير الدفاع التركي يشار غولر إلى دمشق للبحث في العلاقات الثنائية والاتفاق مع قسد.
وبين روايات متناقضة، نزوح مدنيين، واستهداف منشآت حيوية، تبدو حلب أمام تهدئة هشة قد تنهار مع أي خرق جديد. الحدث الميداني يختلط بالبعد السياسي والدبلوماسي، ليكشف أن الاشتباكات ليست مجرد مواجهة محلية، بل جزء من صراع أوسع حول مستقبل قسد وموقعها في الدولة السورية، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة.
