شهدت مدينة حلب خلال الأيام الماضية تصعيداً عسكرياً وأمنياً في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث أعلن الجيش العربي السوري أنه أنهى عمليات التمشيط بشكل كامل وبدأت قوات الأمن الداخلي بالانتشار داخل المنطقة بعد خروج عشرات المقاتلين عبر حافلات باتجاه مناطق شرقي سوريا. وأكدت هيئة العمليات أن الأهالي مطالبون بالبقاء في منازلهم وعدم العودة إلى الحيين إلا بعد التنسيق مع لجنة استجابة حلب، وذلك بسبب اختباء عناصر مسلحة بين السكان، فيما شدد المحافظ عزام الغريب على ضرورة الالتزام الكامل بالتعليمات الرسمية وعدم التوجه نحو الحيين في الوقت الحالي حرصاً على سلامتهم وضمان عودتهم الآمنة، مشيراً إلى أن حظر التجوال ما زال سارياً إلى حين صدور تعاميم لاحقة وأن الجهات المعنية تتابع أعمالها الميدانية على مدار الساعة لتثبيت الأمن وإعادة الحياة الطبيعية. وأوضح المحافظ أن أكثر من 155 ألف نازح خرجوا من الحيين وأن خطة العودة ستتم على مراحل تبدأ بانتشار الأمن الداخلي ثم إزالة الألغام يليها إعادة الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وأفران ومدارس، مؤكداً أن الدولة بدأت بالفعل بإعادة تفعيل المراكز الصحية والمدارس وتحسين البنية التحتية وأن أولى الحافلات انطلقت لإعادة الأهالي إلى منازلهم.
وزارة الخارجية والمغتربين شددت على أن التدخل في الشيخ مقصود والأشرفية هو عملية إنفاذ قانون محدودة النطاق والأهداف، جاءت بعد انتهاكات متكررة للاتفاقيات الأمنية السابقة، وأن الدولة أعطت الأولوية لحماية المدنيين عبر فتح ممرات إنسانية وإزالة مخلفات المتفجرات تمهيداً لعودة الحياة الطبيعية، مؤكدة أن هذه الإجراءات لا تستهدف أي فئة سكانية ولا تنطوي على تغيير ديمغرافي، بل تقتصر على جماعات مسلحة تعمل خارج الأطر المتفق عليها. وفي السياق نفسه، كشف وزير الإعلام حمزة المصطفى أن تنظيم قسد نفّذ خلال الأشهر الثمانية الماضية نحو 350 اعتداءً استهدف مدارس ومستشفيات ومرافق حيوية، وأسفر عن مقتل أكثر من 30 مواطناً وإصابة عشرات آخرين، موضحاً أن العملية العسكرية التي نفذها الجيش كانت دقيقة واحترافية وهدفت إلى حماية المدنيين وضمان سلامتهم، وأن الاستهداف الأخير لمبنى المحافظة أثناء مؤتمر صحفي حكومي يعكس العقلية الإجرامية الراسخة لدى التنظيم ويبرهن على حقده تجاه العمل الإعلامي الذي يكشف زيف ادعاءاته.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي حضره المحافظ عزام الغريب ووزير الإعلام حمزة المصطفى ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، تعرض مبنى المحافظة لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى أضرار مادية، واعتبرت السلطات الحادثة محاولة لإسكات الإعلام وضرب المؤسسات الحكومية. الوزيرة قبوات أكدت أن الوزارة تعمل بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني على تأمين احتياجات النازحين في مراكز الإيواء من طعام وخدمات طبية ودعم نفسي واجتماعي، مشددة على أن المكون الكردي جزء أصيل من الشعب السوري وأن وحدة جميع المكونات هي أساس بناء سوريا الجديدة.
مدير صحة حلب الدكتور محمد وجيه جمعة أعلن أن حصيلة الاعتداءات التي شهدتها المدينة بلغت 21 قتيلاً و106 مصابين بينهم أطفال ونساء ومسنون، مؤكداً أن وزارة الصحة أعلنت حالة الطوارئ منذ اللحظات الأولى للتصعيد وأن مديرية الصحة تعاملت مع الوضع بمهنية عالية عبر المستشفيات والمراكز الصحية المنتشرة في المدينة، إضافة إلى إنشاء مراكز إيواء وتفعيل عيادات متنقلة لتقديم الخدمات الصحية للنازحين. وأوضح أن المراكز الصحية في حي الأشرفية أعيد تشغيلها وأن الاستعداد جارٍ لتفعيل المراكز الصحية في الشيخ مقصود، مشيراً إلى أن بعض المستشفيات الخاصة يجري التنسيق معها لاستعادة فاعليتها. كما تحدث عن استهداف منشآت صحية خلال الأيام الماضية، بينها مستشفى حلب للأمراض الداخلية الذي أُجبر العاملون فيه على إخلائه بعد تعرضهم للقنص، وتحويل مستشفى ياسين إلى موقع عسكري بعد طرد الكوادر الطبية، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقوانين الدولية وتسببت بحرمان السكان من حقهم في العلاج.
على الصعيد الإقليمي والدولي، بحث وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة مع نظيره التركي يشار غولر التطورات الأخيرة في حلب، حيث أبدى الجانب التركي دعمه للدولة السورية في مساعيها لبسط السيادة على كامل الأراضي، وأكد الطرفان أهمية استمرار التعاون والتنسيق بما يحافظ على وحدة سوريا وأمنها واستقرارها. وفي المقابل، التقى المبعوث الأميركي توم باراك بالرئيس أحمد الشرع في دمشق ودعا إلى عودة الحوار بين الحكومة السورية وقوات قسد لتنفيذ الاتفاقيات السابقة، مؤكداً استعداد واشنطن لتسهيل التواصل بين الطرفين. واعتبر باحثون أميركيون أن استمرار القتال يقوض فرص الاندماج السياسي ويخدم أطرافاً خارجية، فيما رأى محللون أن الموقف الأميركي الأخير يعكس تحولاً باتجاه الدعوة إلى خفض التصعيد وضبط النفس والحوار من دون انتقاد الإجراءات الحكومية في حلب، وهو ما اعتُبر تغيراً في ميزان المواقف الدولية لصالح دمشق. وشدد مراقبون على أن حسابات الحكومة السورية تقوم على حماية المدنيين والتمسك بمنطق الدولة، في مقابل دعوات أميركية متواصلة للتهدئة، وسط مشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. وفيما أعلنت دمشق إنهاء العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود، أكدت مصادر صحفية أن الاشتباكات المتقطعة والقصف المدفعي باتا يتركزان في مناطق متفرقة من ريف حلب، ما يشير إلى انتقال التوترات خارج نطاق الحيين، دون إعلان رسمي عن السيطرة الكاملة حتى الآن.
وبذلك تبدو حلب وقد أنهت عملياتها العسكرية في الشيخ مقصود والأشرفية، فيما تستمر الجهود لإعادة الأمن والخدمات وعودة الأهالي، وسط دعوات دولية للحوار ورسائل متباينة تعكس أن المشهد ما زال مفتوحاً على احتمالات متعددة بين التهدئة والتصعيد.
