انشقاقات في قسد ودخول الجيش إلى حي الأشرفية في حلب


شهدت مدينة حلب صباح الجمعة تطورات ميدانية متسارعة، إذ أعلن الجيش السوري دخوله حي الأشرفية بعد أيام من المواجهات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في خطوة وُصفت بأنها تحول نوعي في مسار الصراع شمال المدينة. وزارة الدفاع السورية أعلنت عند الثالثة فجراً وقفاً لإطلاق النار يمتد حتى الصباح، ومنحت مقاتلي قسد مهلة لمغادرة الأحياء بسلاحهم الفردي، مؤكدة أن الهدف هو إنهاء الحالة العسكرية وفتح الطريق أمام عودة المدنيين. ومع انتهاء المهلة، أفادت مديرية الإعلام في حلب أن المؤسسات الحكومية تستعد لدخول الأشرفية والشيخ مقصود لتقديم الخدمات، وسط تحذيرات من الألغام والطرق المفخخة.


في المقابل، رفض مجلس الشعب في الشيخ مقصود التابع للإدارة الذاتية الانسحاب، واعتبر الدعوة "استسلاماً"، مؤكداً أن الأهالي مصممون على البقاء والدفاع عن أحيائهم. وفي هذا السياق، نقلت وكالة سانا عن مصدر ميداني أن عناصر من قسد اعتدوا على عشرات العوائل التي حاولت الخروج من الحي، وأقدموا على قتل أربعة شبان أكراد رفضوا المشاركة في القتال ضد الدولة السورية، إضافة إلى إحراق عدد من منازل الأهالي الذين غادروا المنطقة. ورغم هذه الانتهاكات، تحدثت مصادر ميدانية عن انشقاقات في صفوف قسد، حيث سلّم بعض العناصر أنفسهم للجيش السوري الذي أعلن تأمينهم وضمان سلامتهم عبر الممر الإنساني المفتوح بين الرابعة والسادسة مساءً.


المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك قال إن بلاده تتابع بقلق التطورات، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس وحماية المدنيين. فيما اعتبر الخبير العسكري فايز الدويري أن قسد تواجه انهياراً وشيكاً مع تراجع حاد في قدرتها القتالية داخل الأحياء المحاصرة. الصحافة العالمية ربطت أحداث حلب بملفات إقليمية أخرى، إذ رأت صحيفة لوموند أن المفاوضات بين دمشق وقسد وصلت إلى طريق مسدود، بينما اعتبرت وول ستريت جورنال أن التصعيد يمثل تحدياً لواشنطن التي تحاول الحفاظ على شراكتها مع قسد دون خسارة انفتاحها على دمشق.


إقليمياً، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن على قسد الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفية، مشيراً إلى أن هجماتها تقوض جهود السلام في سوريا، مؤكداً أن العملية العسكرية في حلب "نُفذت بالكامل بواسطة الجيش السوري" في إشارة إلى عدم مشاركة تركيا، مع إعلان استعداد أنقرة لتقديم المساعدة إذا طلبت دمشق ذلك. كما شدد وزير الدفاع التركي يشار غولر على أن العملية تهدف إلى مكافحة الإرهاب وفرض الأمن في المدينة، مؤكداً أن تركيا تنظر إلى أمن سوريا باعتباره جزءاً من أمنها القومي، وتدعم وحدة البلاد وسلامة أراضيها وفق مبدأ الدولة الواحدة والجيش الواحد.


يمثل حيّا الشيخ مقصود والأشرفية أحد أكثر المواقع حساسية في المشهد الحلبي منذ أكثر من عقد، إذ يقطنهما نحو 200 ألف نسمة بينهم نازحون من أحياء حلب الشرقية. الشيخ مقصود يقع على تلة مرتفعة ويشرف على منطقة الليرمون الصناعية وطريق الكاستيلو، ما يمنحه أهمية استراتيجية كنقطة مراقبة وسيطرة، فيما يرتبط الأشرفية بمحاور تؤدي إلى أحياء السريان والهلك وبستان الباشا، ويُنظر إلى الحيين ككتلة واحدة من حيث التأثير الأمني.


انتقادات كردية متصاعدة لدور "قسد"


في أعقاب دخول الجيش السوري إلى حي الأشرفية، تصاعدت الانتقادات داخل الأوساط الكردية تجاه سياسات قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذراع العسكرية لحزب العمال الكردستاني في سوريا. واعتبر ناشطون أن قسد تواصل توريط المكون الكردي في معارك خاسرة، دون اكتراث بالخسائر البشرية والمجتمعية التي يتكبدها هذا المكون السوري الأصيل.


وسلطت الانتقادات الضوء على سلسلة من الهزائم التي منيت بها قسد في مناطق عفرين، منبج، تل رفعت، وأرياف الرقة والحسكة، وصولاً إلى خسارتها الأخيرة في حلب. ومن بين الأصوات البارزة، كتب أسامة مسلم، ابن شقيق القيادي الكردي صالح مسلم، منشوراً دعا فيه الأكراد إلى الابتعاد عن قسد، مؤكداً أن "كل حروبهم خاسرة"، ومعتبراً أن تحرير الشيخ مقصود والأشرفية يمثل خطوة نحو "تحرير سوريا بالكامل".


واتهم ناشطون قسد بالسعي لتحقيق مكاسب شخصية على حساب معاناة الأكراد، مشيرين إلى انتهاكات تشمل خطف الأطفال والقاصرات وتجنيدهم قسراً، في خدمة أجندات عابرة للحدود. وطالبوا بعدم استخدام المكون الكردي وقوداً لصراعات لا تخدم مصالح السوريين عموماً، ولا الأكراد خصوصاً. في السياق ذاته، دعا عدد من النشطاء إلى تطبيق اتفاق آذار الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد مظلوم عبدي، والذي ينص على ضمان حقوق المكون الكردي ضمن دولة سورية موحدة، بما يشمل الحقوق السياسية والمدنية على قدم المساواة مع باقي الأطياف.


انشقاقات ميدانية وتصعيد سياسي


في تطور لافت، أفادت مصادر ميدانية بانشقاق مسؤول الحواجز التابع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حي الشيخ مقصود ونائبه، إضافة إلى عشرين عنصراً آخرين، حيث التقى بهم مسؤولون من الحكومة السورية في أحد المواقع القريبة من المعبر الإنساني. الخطوة اعتُبرت مؤشراً على تصدّع داخلي في صفوف قسد، وسط تزايد الانقسامات بين من يرفض استمرار المواجهة ومن يصرّ على التصعيد.


في المقابل، دعا سيبان حمو، القيادي البارز في قسد، إلى النفير العام لقتال الجيش السوري، معلناً دعمه للمجموعات المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب. تصريحات حمو أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الكردية، خاصة في ظل تزايد الدعوات لوقف القتال والبحث عن تسوية تحفظ حقوق المكوّن الكردي ضمن الدولة السورية.


المشهد السياسي والإنساني


سياسياً، شدد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اتصال هاتفي مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني على أن الأكراد "مكوّن أصيل وأساسي من نسيج الشعب السوري"، مؤكداً التزام الدولة بضمان حقوقهم الوطنية والسياسية والمدنية على قدم المساواة مع باقي الأطياف. الاتصال تزامن مع إعلان الجيش السوري فتح الممر الإنساني في الشيخ مقصود، مع تأكيده تأمين الخارجين من المدنيين والعناصر المنشقين عن قسد.


ومع دخول الباصات إلى الشيخ مقصود لنقل بعض مقاتلي قسد باتجاه شمال شرقي البلاد، أكدت مصادر حكومية أن الحياة ستعود تدريجياً إلى طبيعتها في الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بعد الانتهاء من عمليات البحث عن الألغام. لكن إصرار مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني على القتال ينذر بجولة جديدة من المواجهات رغم إعلان وقف إطلاق النار المؤقت. وفي الأثناء نزح آلاف المدنيين من الأحياء الكردية، فيما بقيت التساؤلات مفتوحة حول ما إذا كان دخول الجيش إلى الأشرفية والشيخ مقصود مقدمة لإنهاء وجود قسد في حلب أم مجرد ورقة ضغط 

في مسار تفاوضي لم يكتمل بعد.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال