حلب تستعيد أحيائها… والتوتر ينتقل إلى ريفها الشرقي


لم تكن الاشتباكات التي اندلعت في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود مجرد مواجهة عابرة داخل مدينة أنهكتها الحروب؛ كانت الشرارة التي كشفت حجم الاحتقان المتراكم، ودفعت حلب إلى مشهد جديد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رسائل سياسية لا تخطئها العين. فالهجمات التي شنتها قوات سوريا الديمقراطية من داخل الأحياء السكنية لم تمرّ بهدوء، إذ خلّفت قتلى وجرحى ونزوحاً واسعاً، قبل أن يردّ الجيش السوري بعملية سريعة انتهت بسيطرته الكاملة على الأحياء الثلاثة، وإخراج آخر المجموعات المسلحة منها نحو شمال شرقي البلاد.


ومع دخول القوات الأمنية، بدأت عمليات التمشيط وإزالة الألغام، فيما عاد السكان إلى منازلهم بخطوات مترددة. الشوارع كانت مغطاة بالزجاج والشظايا، والجدران مثقوبة بالرصاص، لكن الإحساس بأن المدينة استعادت زمامها كان أقوى من مشاهد الخراب. عابد إعزازي، أحد سكان الأشرفية، قال إنهم عادوا “والخوف ما زال في الصدور”، لكن وجود فرق الدفاع المدني في الشوارع أعاد لهم شيئاً من الثقة. وفي الشيخ مقصود، عادت يارا محمد مع أطفالها رغم استمرار عمليات التمشيط، مؤكدة أن “المدينة لم تعد تحتمل جولة جديدة من الفوضى”.


غير أن الهدوء داخل الأحياء لم يكن سوى استراحة قصيرة قبل أن ينتقل التوتر إلى ريف حلب الشرقي. فبعد ساعات من انتهاء العمليات داخل المدينة، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري رصد تعزيزات جديدة لقسد في دير حافر ومسكنة، ووصفت ذلك بأنه “تصعيد خطير” يستهدف قلب الاستقرار الذي تحاول المدينة استعادته. دمشق لم تكتفِ بالتحذير، بل نشرت خريطة باللون الأحمر أعلنت فيها المنطقة الممتدة بين غرب الفرات وشرق حلب منطقة عسكرية مغلقة، ودعت المجموعات المسلحة للانسحاب فوراً إلى شرق الفرات، محذرة المدنيين من الاقتراب من مواقع قسد.


ورغم نفي الأخيرة إرسال أي تعزيزات، تحدثت مصادر استخباراتية عن نشاط غير مسبوق في المنطقة، مشيرة إلى أن قسد اعتمدت خلال الأيام الماضية على استقطاب مطلوبين للدولة وعناصر فارّين من العدالة، وأن بعض هؤلاء شاركوا في تفخيخ طرق رئيسية وممرات زراعية، إضافة إلى نشر قناصات على أسطح مبانٍ في دير حافر. وأكدت المصادر أن الاستخبارات العسكرية أحبطت عمليات كانت تستهدف تجمعات مدنية ونقاطاً عسكرية، وأن الإحداثيات التي جرى رصدها حُوّلت إلى ضربات دقيقة نُفّذت من غرفة العمليات. كما أشارت إلى أن الطائرات المسيّرة التي استهدفت مدينة حلب كانت من طرازات إيرانية الصنع، وأن التنسيق بين مجموعات من حزب العمال الكردستاني وبعض عناصر قسد لعب دوراً مباشراً في إدارة هذه الهجمات.


في المقابل، رفعت قسد من نبرة خطابها. القيادية إلهام أحمد اتهمت الحكومة السورية الانتقالية بعدم تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، وقالت إن الهجوم على الشيخ مقصود شاركت فيه نحو ثمانين دبابة، وإن مجموعات أجنبية، بينها عناصر من داعش وإيغور ومجموعات تركية، شاركت في القتال. وأضافت أن الحكومة تستهدف الأقليات، وأن واشنطن مطالبة بتوضيح موقفها من “الانتهاكات بحق الكرد”. أما سرخبون كوباني، المسؤول عن منطقة دير حافر، فلوّح بردّ مباشر قائلاً إن أي هجوم حكومي على المنطقة “لن يمرّ دون تغيير في خارطة السيطرة”.


التطورات لم تبقَ داخل الحدود السورية. الولايات المتحدة دعت الأطراف إلى ضبط النفس، بينما شددت المفوضية الأوروبية على ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها. تركيا، التي تراقب المشهد عن قرب، اعتبرت ما يجري فرصة تاريخية لتطبيق اتفاق العاشر من آذار، وقال الرئيس رجب طيب أردوغان إن تطهير حلب من عناصر قسد خطوة نحو سلام دائم، مؤكداً أن بلاده لن تسمح بأي تهديد لأمنها. أما زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي فذهب أبعد، معتبراً أن قسد غير منفصلة عن حزب العمال الكردستاني، وأن على التنظيم حلّ نفسه فوراً.


وفي خضم هذا التصعيد، ظهرت جبهة أخرى لا تقل خطورة. وزارة الطاقة السورية اتهمت قسد بالضغط على العاملين في محطة البابيري وتشغيل مضخات إضافية بشكل قسري، ما يهدد بإغراق آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية. كما حمّلتها مسؤولية تفجير جسر أبو تينة وتعطيل بوابات تنظيم المياه، الأمر الذي قد يؤدي إلى فيضانات واسعة شرق حلب. وفي الوقت نفسه، أعلنت إدارة منطقة منبج تعليق الدوام في مدارس الخفسة حفاظاً على سلامة الطلاب، في ظل استمرار التوتر شرق المدينة.


ورغم كل هذه التعقيدات، تحاول حلب أن تستعيد إيقاعها. الناس يعودون إلى بيوتهم، والفرق الهندسية تعمل بلا توقف، والدفاع المدني يرافق قوافل النازحين، بينما تبقى المنطقة الشرقية تحت مراقبة دقيقة بانتظار ما ستؤول إليه التحركات العسكرية والسياسية. وبين الخرائط التي تُرسم، والاتهامات التي تتصاعد، والمواقف الدولية التي تتقاطع، تبدو المدينة وكأنها تقف على حافة مرحلة جديدة: مرحلة لا تُحسم فيها المعارك بالسلاح فقط، بل بالرسائل التي تُطلق من كل اتجاه، وبالقدرة على منع شرارة صغيرة من إشعال جولة جديدة من الفوضى.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال