تصعيد الميدان في ريف حلب يعرّي الاتفاق المؤجل ويعقّد مسار السياسة


تشهد الساحة السورية في شمال البلاد، ولا سيما في حلب وريفها الشرقي، تصاعداً جديداً في التوتر بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، في ظل تعثر تنفيذ الاتفاق الموقع بين الطرفين في آذار 2025 الذي كان ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في إدارة الدولة وإعادة فتح المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز، إضافة إلى انسحاب قسد من مدينة حلب إلى شرق الفرات. هذا الاتفاق بقي حبراً على ورق، ومع مرور الوقت تحوّل إلى نقطة خلاف أساسية بين دمشق والإدارة الذاتية، حيث يتبادل الطرفان الاتهامات بإفشاله.  


المواجهات الأخيرة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بمدينة حلب مطلع كانون الثاني 2026 أعادت الأزمة إلى الواجهة، إذ تمكن الجيش السوري من السيطرة على هذه الأحياء بعد عملية عسكرية محدودة، فيما انسحب مقاتلو قسد نحو الشرق، وأجبر آلاف المدنيين على النزوح من مناطق القتال. ومعارك حلب انعكست مباشرة على المفاوضات المتعثرة، وأضعفت موقف قسد التفاوضي، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية عليها.  


في ريف حلب الشرقي، برزت أزمة الممرات الإنسانية كأحد أكثر الملفات حساسية، حيث أعلن الجيش السوري فتح ممر عبر قرية حميمة على طريق M15، في حين أصدرت قسد قراراً منفصلاً بإغلاق جميع المعابر الرئيسية الواقعة ضمن مناطق سيطرتها شرق الفرات، مثل الطبقة والرقة ودير الزور، وهو إغلاق ذو طابع أمني وسياسي لا يرتبط جغرافياً مباشرة بريف حلب، لكنه يعكس موقفها العام من التعامل مع دمشق. محافظ حلب عزام الغريب اتهم قسد بارتكاب انتهاكات بحق الأهالي في دير حافر، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن خروج عشرات العائلات مشياً على الأقدام عبر طرق فرعية أو ممرات مائية، وسط مخاطر القنص والقصف. قسد من جانبها نفت الاتهامات، مؤكدة أن الإغلاق قرار تنظيمي يستثني الحالات الإنسانية الطارئة والمنظمات الدولية، بينما اعتبرت الإدارة الذاتية أن التصعيد الحكومي غير مبرر ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل لمنع اندلاع حرب جديدة.  


في جبهة دير حافر، أفادت وزارة الدفاع السورية بانشقاق عدد من عناصر قسد وإلقائهم السلاح، وهو ما اعتبرته دمشق مؤشراً على تفكك التنظيم، فيما شددت هيئة العمليات العسكرية على أن أي جهة تعرقل مرور المدنيين ستُستهدف بالطريقة المناسبة. تركيا دخلت على خط الأزمة عبر تصريحات وزير خارجيتها هاكان فيدان الذي أكد أن للدولة السورية حقاً دستورياً وسيادياً في استخدام القوة ضد قسد إذا لم تلتزم، مشيراً إلى مفاوضات ثلاثية جارية بين واشنطن ودمشق وقسد لكنها متعثرة بسبب رفض الأخيرة التوصل إلى حل سلمي.  


المشهد الراهن يعكس فشل الاتفاق السابق ويضع مستقبل قسد بين خيارين، إما الاندماج القسري في مؤسسات الدولة تحت ضغط عسكري وسياسي، أو استمرار حالة التوتر المنضبط إذا بقي الوجود الأميركي داعماً لها، مع بقاء المعابر والموارد ورقة تفاوضية. وبين هذه الاحتمالات يبقى المدنيون هم الضحية الأكبر، إذ تتحول حياتهم اليومية إلى رهينة صراع سياسي وعسكري تتداخل فيه الحسابات المحلية مع النفوذ الإقليمي والدولي، ويظل مستقبل شمال شرق سوريا مفتوحاً على سيناريوهات غير محسومة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال