الرئيس الشرع يعيد تعريف الأكراد في سوريا


في لحظة سياسية حساسة أعقبت استعادة الجيش السوري السيطرة على أحياء في مدينة حلب، اختارت قناة "الإخبارية السورية" أن تبث مقابلة مطوّلة مع الرئيس أحمد الشرع، بعدما اعتذرت قناة "شمس" العراقية عن عرضها لأسباب وصفتها بأنها "تقديرات سياسية خاصة". هذا القرار منح المقابلة بعداً إضافياً، إذ بدا أن دمشق أرادت إيصال رسائلها مباشرة إلى الداخل والخارج، بعيداً عن حسابات القنوات الإقليمية.  


منذ البداية، ركّز الشرع على أن حقوق المكون الكردي ليست موضع مساومة، بل مكفولة بالدستور، وأن مشاركة الأكراد في مؤسسات الدولة حق أساسي لا يحتاج إلى قتال أو دماء. بهذا الطرح حاول الرئيس أن يفصل بين الكرد كمكوّن اجتماعي مندمج في الدولة، وبين التنظيمات المسلحة التي تسعى لاحتكار تمثيلهم وربطهم بأجندات خارجية.  


الحديث عن حلب جاء ليعزز هذا المنطق؛ فالمدينة التي تمثل أكثر من نصف الاقتصاد السوري لا يمكن أن تُترك رهينة صراع مسلح. الشرع أوضح أن هجمات "قسد" عطّلت الحياة المدنية والاقتصادية، ما استدعى إجراءات عسكرية سريعة لإعادة الاستقرار. هنا يظهر الترابط بين الأمن والاقتصاد كإطار لفهم الموقف الرسمي.  


وعندما كشف الرئيس عن تفاصيل لقائه الأول مع مظلوم عبدي، بدا وكأنه يوجّه رسالة مزدوجة: الحوار ممكن إذا كان الهدف هو الحقوق الدستورية، لكنه غير مقبول إذا كان الغطاء هو العمل المسلح. هذه النقطة تعكس محاولة لإعادة تعريف الشرعية السياسية بعيداً عن السلاح.  


الشرع استحضر أيضاً صورة الكرد في المجتمع السوري، من وجودهم في الجامعات إلى توليهم مناصب وزارية، ليؤكد أنهم جزء من النسيج الوطني. في المقابل، صوّر قسد كامتداد خارجي يتلقى أوامر من جبال قنديل، أي كجسم غريب عن المجتمع السوري. هذا التباين في السرد يهدف إلى ترسيخ فكرة أن الدولة هي الحاضنة الطبيعية للكرد، بينما التنظيمات المسلحة تعيق اندماجهم.  


الأحداث الأخيرة في حلب جاءت لتدعم هذا السرد، إذ أشار الرئيس إلى أن الهجمات خلّفت عشرات القتلى والجرحى، وأن العملية العسكرية المحدودة أنهت وجود التنظيم في تلك الأحياء. بهذا الربط، يظهر قسد كمسؤول عن الفوضى، والدولة كمنقذ يعيد النظام.  


وفي ختام المقابلة، شدد الشرع على أن النقاشات مع مظلوم عبدي، قائد "قسد"، تطورت إلى اتفاق شامل، مؤكداً أن حماية حقوق جميع المكونات يجب أن تتم وفق القانون والدستور، وعلى أساس الكفاءة لا المحاصصة. بهذا المعنى أراد الرئيس أن يكرّس صورة الدولة كضامن للحقوق والاستقرار، في مواجهة التنظيمات المسلحة التي تحاول احتكار التمثيل.  

أحدث أقدم

نموذج الاتصال