تحولت عملية أمنية محدودة في أحياء حلب الشرقية إلى حملة عسكرية واسعة أعادت رسم خريطة السيطرة في شمال شرق سوريا خلال أيام قليلة، حيث امتدت العمليات من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب لتشمل مناطق غرب الفرات والرقة وصولاً إلى دير الزور وحقول النفط الإستراتيجية. ومع تصاعد الأحداث، تمكن الجيش السوري من فرض سيطرته على بلدات ومطارات وسدود حيوية، فيما لعبت العشائر العربية دوراً حاسماً في طرد قوات سوريا الديمقراطية من مناطق واسعة، خاصة في الرقة ودير الزور، حيث لا تملك قسد قاعدة شعبية، بينما تمتلك العشائر الأرض والشرعية الاجتماعية. هذا التكاتف العشائري المختلف عن محاولات سابقة منح الجيش زخماً إضافياً وسرّع من انهيار قسد التي فقدت مواقعها الإستراتيجية بما فيها أكبر حقول النفط والغاز ومطار الجراح العسكري.
الانهيار السريع لقسد دفع إلى توقيع اتفاق شامل بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، يقضي بوقف إطلاق النار ودمج القوات والمؤسسات المدنية ضمن هياكل الدولة. الاتفاق نص على تسليم الرقة ودير الزور إدارياً وعسكرياً للحكومة، انسحاب قسد إلى شرق الفرات، إخراج قادة حزب العمال الكردستاني غير السوريين، واستلام الدولة للمعابر والحقول النفطية، إضافة إلى ترتيبات خاصة بعين العرب لضمان مشاركة محلية في الأمن. هذا الاتفاق جاء بعد معارك محتدمة في حلب والرقة ودير الزور، وأعاد ترتيب العلاقة بين الدولة وقسد من المواجهة العسكرية إلى الحوار السياسي.
ردود الفعل الإقليمية والدولية كانت سريعة، إذ رحبت تركيا وقطر والأردن بالاتفاق واعتبرته خطوة نحو وحدة سوريا واستقرارها، فيما وصف المبعوث الأميركي إلى دمشق توم براك الاتفاق بأنه "نقطة تحول مفصلية"، مؤكداً أن الخصوم السابقين اختاروا الشراكة بدل الانقسام، ومشيداً بجهود الطرفين لإبرام اتفاق يمهّد الطريق أمام تجديد الحوار والتعاون نحو سوريا موحدة. براك كان قد التقى الرئيس الشرع في دمشق غداة لقائه مظلوم عبدي في أربيل، في إشارة إلى دور الوساطة الأميركية في تقريب وجهات النظر.
في الداخل، أكد مجلس سوريا الديمقراطية أن الاتفاق يفتح باب الحوار السياسي ويعزز الثقة لدى المكون الكردي للمشاركة في العملية السياسية، مشدداً أن الدمج ليس إخضاعاً بل خطوة وطنية لنقل الصراع من الميدان إلى السياسة. أما قائد قسد مظلوم عبدي فأكد أن قبول الاتفاق جاء حقناً للدماء وتجنباً لحرب أهلية، مشيراً إلى أن قواته انسحبت من دير الزور والرقة إلى الحسكة لكنها لم تُهزم أو تفشل وستحافظ على مكتسباتها، معلناً أنه سيتوجه إلى دمشق لإتمام تفاصيل الاتفاق.
الأبعاد الاقتصادية لم تغب عن المشهد، إذ أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن عودة الجزيرة السورية إلى سيادة الدولة تمثل خطوة بالغة الأهمية على الصعيدين المالي والاجتماعي، مشيراً إلى أن السيطرة على حقول النفط والغاز ستوفر موارد إضافية للموازنة وتساعد في إعادة الإعمار. الحكومة أعلنت خططاً لزيادة إنتاج النفط إلى 100 ألف برميل يومياً بحلول 2026 بعد أن كان لا يتجاوز 30 ألفاً في 2023، فيما تقدر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 2.5 مليار برميل، ما يعزز قدرة الدولة على تحسين معيشة المواطنين ويبعث برسالة طمأنة للمستثمرين بأن سوريا تتجه نحو الاستقرار والوحدة.
بهذا المشهد المتسارع، انتقلت سوريا من معارك حلب ودير الزور إلى اتفاق سياسي شامل، مدعوم بترحيب إقليمي ودولي وتصريحات أميركية واعتراف كردي، ومصحوب بآمال اقتصادية كبيرة. المعادلة الجديدة تجمع بين النار والمناورة في الميدان، والحوار والدمج في السياسة، والموارد النفطية في الاقتصاد، لتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في شمال شرق سوريا عنوانها الأبرز: من الحرب إلى الدولة.
