سوريا بين الاتفاقات والتحولات: نهاية مشروع "قسد" وبداية مرحلة جديدة


شهدت الساحة السورية خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الأحداث المتسارعة التي أعادت رسم خرائط السيطرة الميدانية وفرضت واقعاً جديداً على الأرض، فما بدأ كعملية أمنية محدودة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب سرعان ما تحول إلى عملية عسكرية واسعة امتدت نحو دير حافر ومسكنة والطبقة وسد الفرات وصولاً إلى الرقة ودير الزور والحسكة، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير لقوات سوريا الديمقراطية وانحسار مشروعها العسكري والسياسي الذي استمر أكثر من عقد. هذا التحول الميداني مهّد لتوقيع اتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"، يقضي بوقف إطلاق النار وتسليم دير الزور والرقة للدولة ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة وإخلاء عين العرب من المظاهر العسكرية الثقيلة، إضافة إلى دمج عناصر "قسد" فردياً ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بما يعني تفكيك بنيتها التنظيمية بالكامل، غير أن قيادة "قسد" رفضت الالتزام ببنود الاتفاق، ما دفع الجيش السوري إلى التحرك عسكرياً في ريف الحسكة والسيطرة على مدينة الشدادي وسجنها الاستراتيجي إضافة إلى منطقة 47 قبل التوجه نحو مدينة الحسكة لتثبيت السيطرة وتعزيز الانتشار العسكري.  


ترافق الاتفاق مع اتصالات بارزة، إذ أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب جرى خلاله بحث تطورات الأوضاع والتأكيد على دعم وحدة البلاد وضمان حقوق الشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية مع الاتفاق على مواصلة التعاون ضد تنظيم الدولة، وفي السياق ذاته هنّأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره السوري بالاتفاق مشيداً بقدرة الدولة على بسط سيطرتها ومحاربة الإرهاب ومؤكداً أن العرب والأتراك والكرد والتركمان والشيعة جميعهم أشقاء وأن زمن الإرهاب قد انتهى وأن الحوار هو الطريق لحل الخلافات.  


على الأرض اعتبرت دمشق أن السيطرة على السجون تمثل أولوية قصوى لمنع أي انتكاسات أمنية خاصة بعد هروب سجناء من تنظيم الدولة، فيما رفضت قيادة "قسد" تسليم بعضها ما دفع الجيش لتحميلها المسؤولية عن أي تداعيات لاحقة، بينما وصف الخبير العسكري إلياس حنا انسحاب "قسد" نحو القامشلي بأنه انسحاب دفاعي تكتيكي لكنه حذّر من أن أزمة الثقة وغياب آليات المراقبة والمحاسبة قد تعرقل تنفيذ الاتفاق المكوّن من 14 بنداً. ومع ذلك يرى مراقبون أن المشهد العام يعكس مرحلة جديدة تتسم بعودة الدولة إلى معظم مناطقها وانحسار مشروع "قسد"، فيما تتقاطع المواقف الدولية والإقليمية عند نقطة دعم وحدة البلاد وتثبيت الاستقرار، وبينما تتطلع دمشق إلى إعادة الإعمار وتعزيز التنمية يبقى التنفيذ العملي للاتفاقات وضبط الملفات الحساسة مثل السجون هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه المرحلة ستشكل بالفعل بداية سوريا موحدة وقادرة على مواجهة التحديات أم أنها ستظل رهينة بؤر التوتر ومخاطر الانتكاس الأمني.


إن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة لا يمثل مجرد تبدّل في خرائط السيطرة، بل يعكس نهاية مرحلة كاملة ارتبطت بمشروع "قسد" وبداية أخرى تتسم بعودة الدولة السورية إلى معظم مناطقها. وبينما تتقاطع المواقف الدولية والإقليمية عند دعم وحدة البلاد، يبقى التنفيذ العملي للاتفاقات وضبط الملفات الحساسة مثل السجون هو التحدي الأبرز. فإما أن تنجح دمشق في تحويل هذه التطورات إلى نقطة انطلاق نحو سوريا موحدة ومستقرة وقادرة على مواجهة التحديات، وإما أن تبقى البلاد رهينة بؤر التوتر ومخاطر الانتكاس الأمني، وهو ما سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في تاريخ الصراع السوري.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال