تشهد الساحة السورية تطورات متسارعة بين الجيش الحكومي وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة في منطقة الجزيرة شرق البلاد، أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة آخرين، وفق ما أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري. المواجهات تزامنت مع إعلان الجيش بسط سيطرته الكاملة على سد تشرين بريف حلب الشرقي، ودفعه بتعزيزات إضافية إلى المنطقة.
مصادر ميدانية أفادت باندلاع اشتباكات قرب بئر الأعمى، قبل أن تنسحب قوات قسد باتجاه عين العرب بعتاد ثقيل وأعداد كبيرة، فيما أكد الجيش أنه فتح الطريق أمام انسحابهم. في المقابل، اتهمت قسد القوات الحكومية بمواصلة هجماتها في عين عيسى والشدادة والرقة، بينما واصلت وحدات الهندسة التابعة للجيش عمليات تمشيط في محيط سد تشرين، حيث فجّرت ألغاماً زرعتها قسد، وتعرضت لمحاولة استهداف بطائرة مسيّرة.
بالتوازي مع التطورات الميدانية، أعلنت وزارة الداخلية السورية بدء انتشار وحداتها في ريف دير الزور الشرقي ضمن خطة أمنية تهدف إلى تعزيز الاستقرار وحماية المدنيين. وأكدت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري أن وحدات من الجيش وصلت بالفعل إلى مشارف مدينة الحسكة، في إطار خطة الانتشار التي يجري تنفيذها وفقاً لبنود الاتفاق المبرم مع قسد.
هذه الخطوات تأتي قبيل لقاء مرتقب بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، بعد يوم واحد من إعلان الرئاسة السورية توقيع اتفاق شامل مع قسد لوقف إطلاق النار ودمجها في الجيش. الاتفاق، الذي يتألف من 14 بنداً، ينص على تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى إخلاء عين العرب من المظاهر العسكرية الثقيلة. كما يشمل تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، مع التزام قسد بعدم ضم فلول النظام السابق إلى صفوفها.
على الصعيد الدولي، رحّبت وزارة الخارجية الفرنسية بالاتفاق، معتبرة أنه يمثل فرصة لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية على أسس جامعة، مؤكدة دعم باريس لأي خطوات من شأنها حماية المدنيين وتثبيت وقف إطلاق النار.
صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية وصفت هذه التطورات بأنها مكاسب استراتيجية واسعة للرئيس أحمد الشرع، معتبرة أن السيطرة على مناطق قسد تمثل اختراقاً كبيراً في مساعيه لتوسيع سلطة الحكومة بعد سقوط نظام بشار الأسد. ونقلت الصحيفة عن محللين أن جزءاً من هذا التقدم تحقق بدعم من قوات العشائر العربية التي كانت موالية لقسد ثم انحازت إلى دمشق. فيما رأى خبير إسرائيلي أن استعادة السيطرة على حقول النفط ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل تحمل دلالات إقليمية عميقة، إذ تعيد لسوريا معظم مواردها الحيوية وتؤكد عودتها كدولة مركزية تسعى لاستعادة السيادة الكاملة.
سياسياً، أكد مظلوم عبدي أن قبول الاتفاق جاء "حقناً للدماء وتجنباً لحرب أهلية"، مشيراً إلى أن انسحاب قواته من دير الزور والرقة إلى الحسكة لا يعني الهزيمة، بل الحفاظ على مكتسبات. الرئيس الشرع شدد بدوره على أن التفاهمات الجديدة تنطلق من روح اتفاق العاشر من آذار، وأن مؤسسات الدولة ستدخل محافظات شمال شرق سوريا الثلاث وفق ما تم الاتفاق عليه.
وفي سياق متصل، بحث الشرع مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني مستجدات الأوضاع، حيث أكد الطرفان على وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها. بارزاني، عبر مستشاريه، نصح قيادة قسد بالمبادرة إلى الحوار مع دمشق باعتباره الخيار الأفضل لتجنب التصعيد.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية في شمال شرق البلاد. فاندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب التقدم الميداني للجيش ووصوله إلى مشارف الحسكة، يعكس تحوّلاً جذرياً في ميزان القوى الداخلي. الترحيب الدولي، ولا سيما من فرنسا، يمنح الاتفاق زخماً إضافياً ويؤكد أن المجتمع الدولي ينظر إليه كخطوة نحو تثبيت الاستقرار. ومع استعادة السيطرة على الموارد الحيوية والمعابر، تبدو دمشق أقرب من أي وقت مضى إلى إعادة بناء الدولة المركزية، في مشهد يفتح الباب أمام تحديات جديدة لكنه يضع أيضاً أسساً لمرحلة أكثر استقراراً بعد سنوات من الصراع.
