لم تحمل بداية العام أي ملامح للهدوء في سوريا. فمنذ السابع من كانون الثاني، تحوّلت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية شمالي حلب إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). خمسة أيام من القتال انتهت بانسحاب قسد، تاركة خلفها آلاف النازحين وذكريات مثقلة بالرصاص والدمار. لكن الانسحاب لم يكن نهاية القصة، بل بداية فصل جديد في الشمال الشرقي.
في السادس عشر من الشهر، أعلن قائد قسد مظلوم عبدي إعادة تموضع قواته شرق الفرات بوساطة دولية، خطوة رحّبت بها وزارة الدفاع السورية التي أوقفت القصف مؤقتًا. وفي اليوم نفسه، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا يمنح الجنسية السورية للأكراد ويعترف بحقوقهم الثقافية، في محاولة لفتح نافذة سياسية وسط دخان المعارك.
غير أن الجيش سرعان ما استعاد زمام المبادرة. ففي السابع عشر من الشهر تقدّم نحو دير حافر، ثم واصل طريقه إلى دير الزور وريف الرقة. وفي اليوم التالي أعلن السيطرة على آبار نفط وغاز، قبل أن يُكشف عن اتفاق جديد مع قسد يقضي بدمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة وتسليم السجون والمعابر وحقول النفط. لكن الاتفاق، كسابقه في آذار 2025، بقي معلّقًا ولم يُنفذ، لتعود الاشتباكات وتتوسع باتجاه الحسكة.
في التاسع عشر من كانون الثاني، وصلت المواجهات إلى مشارف الحسكة، لتعود قضية السجون إلى الواجهة. انسحبت قسد من محيط مخيم الهول، واتُّهمت بإطلاق سراح سجناء من تنظيم الدولة في سجن الشدادي. الحكومة السورية أعلنت لاحقًا إعادة القبض على معظم الفارين، مؤكدة أن إدارة السجون يجب أن تُدمج بالكامل ضمن مؤسسات الدولة.
وفي العشرين من الشهر ذاته، بدا أن دمشق وواشنطن وجدتَا أرضية مشتركة. فقد أُعلن عن اتفاق ثالث يقضي بدمج محافظة الحسكة، بما فيها القامشلي، وضم مؤسسات قسد المدنية والعسكرية إلى الدولة السورية. وزارة الدفاع أعلنت وقف إطلاق النار لأربعة أيام، مُنحت خلالها قسد مهلة لتقديم خطة تفصيلية لآليات الاندماج. المبعوث الأميركي توم براك وصف الاتفاق بأنه "فرصة تاريخية"، فيما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن سوريا تقوم بـ"عمل رائع".
لكن رغم الهدنة، ظلّت الأرض تغلي. فالمجزرة التي وقعت في حي النشوة مساء الثلاثاء، حين استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لقسد تجمعًا مدنيًا وأسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص، أعادت التذكير بأن الاتفاقات المعلّقة لا تكفي وحدها لإيقاف نزيف الدم.
