لم يعد ملف السجون في سوريا مجرد قضية أمنية داخلية، بل تحوّل إلى ساحة صراع دولي وإقليمي، حيث تتشابك المواقف الأميركية والكردية والسورية في مشهد معقد يضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أمام مأزق وجودي، فيما تحاول دمشق استثمار اللحظة لتثبيت شرعيتها كحارس الأمن والاستقرار.
في أربيل، حمل اجتماع مغلق بين المبعوث الأميركي توم باراك وقائد قسد مظلوم عبدي رسائل قاسية. باراك اتهم عبدي بمحاولة جرّ إسرائيل إلى الداخل السوري، محذرًا من تداعيات قد تشعل مواجهة بين أنقرة وتل أبيب. الرسالة الأميركية كانت واضحة: زمن التعامل مع قسد كقوة مستقلة يقترب من نهايته، ودمشق باتت الشريك الأساسي في مكافحة الإرهاب. على الضفة الأخرى، بدا مسعود بارزاني أكثر انفتاحًا، مشيدًا بلقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ومقترحًا أن يكون ضامنًا جديدًا لاتفاق آذار 2025، في محاولة لفتح نافذة تفاهم بين الشرع وعبدي. أما إلهام أحمد، فتمسكت بخيط الاتصالات مع شخصيات إسرائيلية، مؤكدة أن أي دعم خارجي سيُستقبل بترحيب.
في الداخل، شددت وزارة الدفاع السورية على ضرورة التزام قسد ببنود اتفاق 18 كانون الثاني، مؤكدة استعداد الدولة لتسلّم سجون داعش وضمان الحل السلمي. وزارة الداخلية ذهبت أبعد من ذلك، متهمة قسد بمحاولة إطلاق سراح 120 عنصرًا من التنظيم في سجن الشدادي، قبل أن تتدخل العشائر العربية في الرقة ودير الزور لتسريع السيطرة على الموقف. هذه التطورات عززت رواية دمشق بأن قسد فقدت مكاسبها السياسية، وأن الدولة تبقى الطرف الأكثر قدرة على مواجهة الإرهاب.
لكن التراجع لم يقتصر على الميدان العسكري. ففي الحسكة، حاول "حزب الاتحاد السرياني" التابع لقسد حشد الشباب المسيحي عبر دعوة الكنائس للمشاركة في النفير العام، إلا أن الكنائس رفضت بشكل قاطع، مؤكدة تمسكها بالحياد. هذا الرفض يعكس تراجع قدرة قسد على تعبئة المكونات المحلية، ويكشف حدود نفوذها في ظل تصاعد التوترات.
المعارك الأخيرة من حلب إلى الرقة ودير الزور وصولًا إلى الحسكة، حيث أُعلن وقف إطلاق النار، جعلت الهدنة الحالية هشة. أحداث دامية مثل مجزرة حي النشوة تؤكد أن أي إخفاق في تنفيذ الاتفاق قد يعيد إشعال المواجهات في لحظة.
وفي واشنطن، أضاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدًا جديدًا حين قال إن الأكراد تلقوا "مبالغ طائلة ونفطًا" لكنهم عملوا لمصالحهم الخاصة، قبل أن يشيد بالرئيس أحمد الشرع واصفًا إياه بأنه "رجل قوي وصلب جدًا" يقود جهود مراقبة أخطر الإرهابيين في العالم. هذا الموقف يعكس تحوّلًا واضحًا: واشنطن باتت ترى في دمشق شريكًا أساسيًا في ضبط الأمن، فيما يتراجع موقع قسد سياسيًا وعسكريًا.
بين ضغوط دولية متزايدة، وتراجع داخلي في القدرة على الحشد، يقف ملف السجون كاختبار حاسم لمستقبل العلاقة بين دمشق وقسد. فبينما تراهن الحكومة السورية على الدعم الدولي لتأكيد شرعيتها، تحاول قسد التمسك بما تبقى من أوراقها عبر الحاضنة الكردية وبعض الاتصالات الخارجية. ومع هشاشة الهدنة الأخيرة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح دمشق في دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، أم أن الصراع سيعود للاشتعال من جديد؟.
