الجزيرة السورية تعيش لحظة فارقة، إذ برز اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية كأهم محطة في المشهد الراهن. الاتفاق لم يكن مجرد هدنة عابرة، بل جاء نتيجة مسار سياسي وأمني طويل هدفه إنهاء مشروع الحكم الذاتي الكردي ودمج قسد ضمن مؤسسات الدولة. وقد منح الاتفاق مهلة أربعة أيام لتقديم خطة اندماج، مع ضمانات بعدم دخول الجيش إلى مراكز الحسكة والقامشلي وعين العرب خلال هذه الفترة، مقابل دخول المؤسسات الحكومية المدنية. لكن منذ لحظة الإعلان عنه، بدأت الخروقات والاتهامات المتبادلة، لتكشف هشاشة التفاهمات أمام واقع ميداني متوتر.
جاء الاتفاق بعد تقدم سريع للجيش السوري وسيطرته على مساحات واسعة من الجزيرة، ومع تفاقم أزمة السجون التي تضم آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة، وجدت قسد نفسها أمام خيار مصيري: إما الاندماج في مؤسسات الدولة أو مواجهة الانهيار. الولايات المتحدة التي اعتمدت على قسد منذ عام 2015 لمحاربة التنظيم، أعلنت أن دورها انتهى وأن الشراكة باتت مع حكومة الرئيس أحمد الشرع، فيما رحّبت تركيا بالاتفاق ورأت فيه خطوة نحو وحدة سوريا، ودعا الرئيس رجب طيب أردوغان القوات الكردية إلى إلقاء السلاح وتسليم الأراضي للحكومة السورية. أما إسرائيل فقد أبدت قلقاً بالغاً من هذه التفاهمات، إذ كانت تراهن على إضعاف الدولة السورية عبر الدفع نحو كيانات مستقلة للأكراد والدروز.
ورغم أن وزارة الخارجية السورية أكدت التزام الحكومة بالهدنة حتى آخر لحظة، فإن وزارة الدفاع أعلنت أن قسد نفذت أكثر من خمسة وثلاثين هجوماً في اليوم الأول، أسفرت عن مقتل أحد عشر جندياً وإصابة العشرات. قسد من جانبها اتهمت الفصائل الموالية لدمشق بانتهاك الاتفاق عبر هجمات على مناطق الجزيرة وعين العرب، ما جعل الاتفاق يبدو هشاً ومرتبطاً عملياً بملف نقل سجناء تنظيم الدولة أكثر من كونه وقفاً شاملاً للقتال. وفي الوقت نفسه، أطلقت القيادة الوسطى الأميركية عملية واسعة لنقل آلاف المعتقلين إلى العراق، حيث جرى بالفعل نقل مئات السجناء من الحسكة، فيما رحّبت دمشق بالخطوة واعتبرتها تعزيزاً للأمن والاستقرار.
لكن التحديات لم تتوقف عند الخروقات الميدانية، فقسد تعاني من تخبط داخلي وتضارب تيارات، حيث لم تعد قوة موحدة بل مجموعات متباينة، ما يهدد أي اتفاق بالانهيار، فيما تحدث خبراء عن مخاوف من خيارات انتحارية قد تلجأ إليها بعض الأجنحة. حقوقيون كشفوا عن آلاف حالات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري في سجون قسد. وعلى المستوى الدولي، منحت واشنطن الضوء الأخضر لدمشق للتحرك ضد قسد بشرط حماية المدنيين وضمان أمن السجون، لكنها أبدت لاحقاً قلقاً من تجاهل الهدنة، فيما بدأ بعض المشرعين الأميركيين مناقشة إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر التصعيد.
في المحصلة، الاتفاق بين دمشق وقسد لم يكن وليد لحظة عسكرية، بل نتيجة مسار سياسي وأمني معقد جمع واشنطن وأنقرة ودمشق. هدفه الأساسي كان إنهاء مشروع الحكم الذاتي الكردي ودمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، لكن الخروقات المتكررة، التخبط الداخلي في صفوفها، والتوترات الاجتماعية والدينية، جعلت مستقبل الاتفاق غامضاً. وبينما تتمسك دمشق بالهدنة حتى آخر لحظة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول هذا الاتفاق الهش إلى نقطة انطلاق نحو وحدة كاملة، أم أن الجزيرة السورية ستظل ساحة مفتوحة لصراع لا ينتهي؟.
