واشنطن ودمشق: نهاية تحالف قسد وبداية مرحلة جديدة


تشهد الساحة السورية منذ مطلع عام 2026 تحولات دراماتيكية في علاقة الولايات المتحدة بالأكراد، وفي موقع قوات سوريا الديمقراطية التي كانت لسنوات الحليف الأبرز لواشنطن في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. فبعد أن لعبت قسد دورًا رئيسيًا في مواجهة التنظيم بدعم جوي أمريكي مكثف منذ عام 2014، بدأت ملامح الانفصال تظهر بوضوح مع صعود الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم بعد سقوط نظام الأسد أواخر 2024، حيث أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الأكراد عملوا لمصالحهم أكثر مما عملوا لأجل واشنطن، فيما أوضح مبعوثه توم براك أن الغرض الأصلي لقسد انتهى وأن الحل يكمن في اندماج الأكراد ضمن دولة سورية موحدة.  


وجاءت خطوة نقل سجناء تنظيم الدولة من شمال شرق سوريا إلى العراق في كانون الثاني 2026 بتنسيق ثلاثي بين دمشق وواشنطن وبغداد لتشكل نقطة تحول مفصلية، إذ سحبت ورقة ضغط أساسية من يد قسد وعززت صورة الدولة السورية كجهة مسؤولة عن الأمن، فيما اعتبرها محللون مكسبًا مزدوجًا لسوريا التي ثبّتت شرعيتها، ولواشنطن التي تخلصت من عبء السجناء وفتحت باب التعاون مع دمشق وبغداد. هذه العملية أظهرت أن واشنطن باتت تفضل التعامل مع الدول المركزية بدل القوى المحلية، وهو ما انسجم مع خطاب تركيا التي رأت في التحول تعزيزًا لموقفها الرافض لأي مشروع كردي مستقل على حدودها.  


في الوقت نفسه، أعادت شهادة طفلة كردية ملف تجنيد الأطفال في صفوف قسد إلى الواجهة، ما أضعف صورتها أمام المجتمع الدولي ومنح دمشق فرصة لتأكيد روايتها بأن الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري بينما قسد مجرد تنظيم مسلح منفصل عن المجتمع. هذا البعد الحقوقي ترافق مع انهيارات ميدانية متسارعة في صفوف قسد أمام تقدم الجيش السوري وحلفائه، في ظل غياب الغطاء الأمريكي، وهو ما اعتُبر مفاجأة الميدان التي جسدت عمليًا نهاية التحالف الأمريكي معها وبداية مرحلة جديدة عنوانها الدولة المركزية السورية.  


وفي أربيل بإقليم كردستان العراق، التقى توم براك في كانون الثاني 2026 بالقائد العام لقسد مظلوم عبدي، بحضور إلهام أحمد، في مشهد عكس أن واشنطن باتت تدير الملف الكردي عبر بوابة كردستان العراق لا عبر دعم مباشر كما في السابق. عبدي حاول الدفاع عن دور قواته لكنه واجه ضغوطًا أمريكية–إقليمية مشتركة، ما وضع قسد أمام خيار صعب بين الاندماج في الدولة السورية أو التلاشي تحت الضغط. هذه اللقاءات أكدت أن واشنطن لم تعد ترى مستقبلًا لقسد كقوة مستقلة، وأن الحل الوحيد هو اندماجها في الدولة السورية الموحدة مع ضمان حقوق المواطنة للأكراد.  


المشهد الجديد في شمال شرق سوريا يتشكل بسرعة، حيث أنهت واشنطن عمليًا تحالفها مع قسد وبدأت تبني علاقة مباشرة مع دمشق عبر قنوات إقليمية، فيما تستثمر دمشق في الملفات الأمنية والسياسية والحقوقية لتقديم نفسها كدولة مسؤولة، ويُعاد دمج الأكراد كمجتمع في الهوية الوطنية السورية بينما تفقد قسد شرعيتها، وتحقق تركيا مكاسب إستراتيجية من انهيار المشروع الكردي المدعوم أمريكيًا. هكذا تتحول قضية الأكراد من ورقة ضغط أمريكية إلى ملف داخلي سوري يُدار تحت سقف الدولة المركزية، فيما تقف قسد على مفترق طرق قد يحدد مصيرها النهائي.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال