العراق يدعو أوروبا لاستلام معتقلي تنظيم الدولة وواشنطن ترحب بالمبادرة


في خضم الاضطرابات الأمنية التي شهدتها شمال شرق سوريا مؤخراً، برز العراق كلاعب أساسي في إدارة ملف عناصر تنظيم الدولة المحتجزين هناك. وبينما سارعت الولايات المتحدة إلى الترحيب بمبادرة بغداد لنقل هؤلاء المعتقلين إلى مراكز احتجاز آمنة داخل الأراضي العراقية، وجّهت الحكومة العراقية دعوة مباشرة إلى الدول الأوروبية لاستلام رعاياها ومحاكمتهم في بلدانهم، في محاولة لتقاسم المسؤولية الدولية عن هذا الملف الشائك.  


وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اعتبر أن الخطوة العراقية تعزز الاستقرار بعد الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا، مؤكداً أن وجود هؤلاء المعتقلين في العراق سيكون مؤقتاً إلى حين أن تتحمل دولهم مسؤولية إعادتهم. الرسالة الأميركية واضحة، فواشنطن لا تريد أن تتحمل وحدها عبء المقاتلين الأجانب وتطالب المجتمع الدولي بالتحرك.  


في المقابل شدّد رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني خلال اتصاله بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على الدول الأوروبية يجب أن تتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية وألا تترك العراق يواجه وحده تحديات أمنية وقضائية بهذا الحجم. وأكد أن بغداد بدأت بالفعل إجراءات قضائية بحق المعتقلين الذين وصلوا من سجون قوات سوريا الديمقراطية، لكن بقاء آلاف من جنسيات مختلفة داخل العراق يشكل عبئاً ثقيلاً على مؤسسات الدولة.  


وأعلن العراق أمس الخميس بدء الإجراءات القضائية بحق المعتقلين الذين نُقلوا من سجون قوات "قسد" إلى الأراضي العراقية، فيما كشفت القيادة المركزية الأميركية أن عملية النقل قد تشمل ما يصل إلى سبعة آلاف معتقل بهدف ضمان بقائهم في مرافق احتجاز آمنة. وأوضحت القيادة أن 150 معتقلاً نُقلوا من أحد سجون محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، بينما أكدت بغداد تسلّم الدفعة الأولى التي تضم عراقيين وأجانب، مشيرة إلى أنها ستنظر في محاكمتهم عبر النظام القضائي العراقي، وداعية الدول إلى التعاون في إعادتهم.  


ويستمر التحالف الدولي لليوم الثالث على التوالي في تنفيذ عمليات نقل السجناء من سجن الصناعة الواقع في مدينة الحسكة، وهي منطقة لا تزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية حتى اللحظة، رغم وقوع معارك متقطعة بينها وبين الجيش السوري على بعد عدة كيلومترات من المدينة. هذا التوتر العسكري يضيف بعداً ميدانياً حساساً إلى عملية النقل، ويعكس هشاشة الوضع الأمني في محيط السجون التي كانت تحت إدارة "قسد".  


القيادة المركزية الأميركية أشارت إلى أن عملية النقل بهذا الحجم تعكس التحدي الكبير أمام العراق، إذ إن إدارة آلاف المقاتلين الأجانب تتطلب موارد قضائية وأمنية هائلة في وقت يواجه فيه العراق أصلاً تحديات داخلية معقدة.  


هذه القضية تعيد إلى الواجهة ملف المقاتلين الأجانب في تنظيم الدولة، وهو ملف تتجنبه كثير من الدول الأوروبية خشية تداعيات أمنية وسياسية داخلية، لكن العراق بدعمه الأميركي يحاول أن يفرض على هذه الدول مواجهة مسؤولياتها، وإلا فإن بقاء هؤلاء المعتقلين في العراق قد يفتح الباب أمام توترات داخلية وانتقادات شعبية.  


ويُشار إلى أن قوات سوريا الديمقراطية انسحبت مؤخراً من مخيم الهول شمال شرقي سوريا، وهو المخيم الذي يضم معتقلين من تنظيم الدولة، غالبيتهم من النساء والأطفال المنتمين لعائلات مقاتلين سابقين. وجاء الانسحاب دون تنسيق مع السلطات السورية، عقب معارك مع الجيش السوري الذي تمكن لاحقاً من بسط سيطرته على المخيم ومحيطه. ويُذكر أن أكثر من عشرة آلاف عنصر من التنظيم، إلى جانب عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بهم، ظلوا محتجزين طوال سنوات في نحو اثني عشر سجناً ومخيماً كانت تديرها قوات "قسد" في تلك المنطقة.  


وبين ترحيب واشنطن وضغط بغداد، ومع التطورات الميدانية في سوريا، يبدو أن ملف معتقلي تنظيم الدولة سيظل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد المجتمع الدولي لتقاسم المسؤولية في مكافحة الإرهاب، فالعراق يحاول أن يظهر بمظهر الشريك المسؤول، لكن العبء الأمني والقضائي قد يتحول إلى أزمة إذا لم تستجب الدول الأوروبية لدعوته.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال