كشفت قناة الجزيرة عن وثائق ومكالمات مسربة لضباط كبار في جيش نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، حصلت عليها عبر عملية اختراق نفذها شخص ادعى أنه ضابط إسرائيلي، تمكن من الوصول إلى هواتف هؤلاء الضباط وإجراء محادثات معهم، قبل أن يسرب مئات التسجيلات والوثائق لبرنامج "المتحري".
هذه التسريبات التي تعود للفترة بين نيسان وكانون الأول 2025، أظهرت أن فلول النظام المخلوع لم يختفوا بعد سقوط الأسد في كانون الأول 2024، بل أعادوا تنظيم صفوفهم عبر شبكة معقدة تجمع بين المال والسلاح، وتعمل على زعزعة استقرار سوريا الجديدة من الداخل والخارج.
الوثائق تكشف أن الهيكل القيادي لهذه الشبكات يتصدره رامي مخلوف، ابن خال الأسد ورجل الأعمال المعروف، يليه اللواء سهيل الحسن قائد قوات النخبة، ثم العميد السابق غياث دلا، مع قيادات من الصف الثاني تتولى الشؤون المالية والعسكرية والتنسيق بين المجموعات. وتظهر التسجيلات أن عدد المقاتلين المرتبطين بهذه الشبكات بلغ نحو 168 ألف عنصر موزعين على قطاعات في حمص وحماة ودمشق والساحل، مع امتلاكهم أسلحة متنوعة تشمل صواريخ مضادة للدروع ومدافع ورشاشات ثقيلة. كما تكشف عن خلافات مالية وتنظيمية بين مخلوف والحسن، وصلت حد الاغتيالات في لبنان، حيث قُتل العميد نعسان السخني المقرب من الحسن في منطقة كسروان نتيجة نزاع حول الأموال.
أخطر ما ورد في هذه التسريبات هو إنشاء غرفة عمليات في منطقة الحيصة اللبنانية قرب الحدود السورية، أعدها سهيل الحسن لتكون مقراً لقيادة عمليات ضد دمشق، إضافة إلى وجود طيارين سابقين في فنادق بلبنان نقلتهم إيران ثم تخلت عنهم، وهم يسعون للانضمام إلى قوات الحسن. هذا الحضور في لبنان أثار قلقاً واسعاً، حيث سلمت الحكومة السورية الجديدة السلطات اللبنانية قائمة تضم نحو 200 ضابط سابق، مطالبة باستردادهم، فيما نفت بيروت رسمياً وجودهم على أراضيها. نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري عبّر عن قلقه من هذه التسريبات، مؤكداً أن أي تحرك من فلول النظام داخل لبنان يضر بأمن البلدين، وأن الأجهزة الأمنية اللبنانية تتابع الأمر بجدية وتنسق مع السلطات السورية.
ردود الفعل الدولية لم تغب عن المشهد، إذ حذر السفير الأميركي السابق لدى سوريا روبرت فورد من خطورة هذه الشبكات على استقرار سوريا الجديدة، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراقب عن كثب هذه التحركات وتدعم حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع. كما أشار تحقيق نشرته "نيويورك تايمز" إلى تورط كمال الحسن في إقامة شبكات مالية مشبوهة انطلاقاً من بيروت، فيما زود القضاء الفرنسي السلطات اللبنانية بمعلومات وأرقام هواتف لضباط كبار يعتقد أنهم يديرون عمليات من داخل لبنان.
إلى جانب القيادة المركزية، برزت تشكيلات مسلحة جديدة في الساحل السوري، مثل لواء درع الساحل بقيادة مقداد فتيحة المعروف بـ"سفاح الساحل"، والمجلس العسكري لتحرير سوريا بقيادة غياث دلا، وقوات النخبة التي أعلن عنها رامي مخلوف قبل أن يتراجع ويقول إن صفحته مخترقة، إضافة إلى جماعة رجال النور–سرايا الجواد المرتبطة بسهيل الحسن. هذه الفصائل نفذت عمليات دامية في آذار وآب وتشرين الثاني 2025، شملت تفجيرات واغتيالات واشتباكات مع قوات الأمن، وأدت إلى سقوط مئات الضحايا من المدنيين والعسكريين.
الوثائق تكشف أيضاً عن شبكة مالية خفية تدير المال والسلاح بعيداً عن الواجهة العسكرية، يقودها أحمد دنيا المحاسب المقرب من مخلوف والحسن والمقيم في لبنان، إلى جانب علي عبيد مدير مكتب غياث دلا الذي يمثل حلقة الوصل الأساسية مع المجموعات المسلحة داخل سوريا. هذه الشبكة تعتمد على تمرير السلاح عبر صناديق مساعدات إغاثية، وتضمن استمرار تدفق التمويل والتسليح، وربط القيادات المقيمة في لبنان بالمجموعات المنتشرة في الساحل.
المحللون الأمنيون اعتبروا أن هذه التسريبات تكشف حجم "التآكل الداخلي" بين فلول النظام، وتحولهم إلى "تجار حرب" يتعاملون مع أي طرف لتحقيق مصالحهم، فيما حذر المراقبون من أن لبنان قد يتحول إلى منصة لانطلاق عمليات ضد سوريا الجديدة، مما يجر البلاد إلى منزلقات خطيرة. وبينما تستعد الجزيرة لبث التسجيلات كاملة منتصف الشهر الجاري، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع سوريا الجديدة ومعها المجتمع الدولي تفكيك هذه الشبكات قبل أن تتحول إلى حرب ظل طويلة الأمد؟
