لطالما مثّلت أمطار الشتاء في مدن شمال شرقي سوريا بشارة خير ينتظرها الأهالي لريّ عطش أراضيهم الزراعية، إلا أن هذا الموسم في الحسكة والقامشلي حمل معه ملامح أزمة كشفت المستور. فالمشكلة لم تكن في غيث السماء، بل في هشاشة الأرض التي لم تعد قادرة على احتواء هذا الخير، نتيجة عقد من الزمن غابت فيه الخدمات الرئيسية وبرزت فيه التحصينات العسكرية كأولوية على حساب أمان المدنيين.
منذ سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" على المنطقة قبل نحو عشر سنوات، ظلت البنية التحتية تعاني تهميشاً مستمراً؛ ومع أول اختبار حقيقي لهطولات مطرية كثيفة، ظهر الخلل البنيوي والهندسي جلياً. فقد تسببت شبكة الأنفاق والخنادق المعقدة التي حفرتها "قسد" تحت الأحياء السكنية وفي محيط المدن في كارثة مزدوجة؛ إذ تحولت هذه الممرات التحتية إلى قنوات عشوائية لتجمع المياه، مما أدى إلى ضغط هيدروليكي هائل تحت أساسات المنازل. في القامشلي، بدأ السكان يلحظون تصدعات مرعبة في جدران بيوتهم، محذرين من انهيارات وشيكة بعد أن خلخلت المياه المحتبسة في الأنفاق ثبات التربة.
هذا "الاستثمار العسكري" في جوف الأرض جاء كبديل لمشاريع الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار التي لم تكن ضمن حسابات الإدارة القائمة طوال عقد من السيطرة. ولم يتوقف الأثر عند البيوت فحسب، بل امتد ليعطل شريان الحياة في المنطقة؛ حيث أدى ارتفاع منسوب نهر الخابور في الحسكة إلى فيضانات قطعت طريق "M4" الدولي، وهو الطريق الاستراتيجي الذي يربط مدن الشمال والشرق السوري. هذا الانقطاع لم يعزل القرى فحسب، بل عكس غياب أي خطط استباقية وصيانة الجسور والسواتر المائية التي تآكلت بفعل الإهمال الإداري.
إن ما تشهده المنطقة اليوم هو نتيجة حتمية لتقديم الأجندات العسكرية على الاحتياجات الخدمية الأساسية. فبينما كان الأهالي ينتظرون تحسين الواقع المعيشي، وجدوا أنفسهم يواجهون مخاطر طبيعية ضاعفتها يد الإنسان. إن تحول المطر من مصدر للرزق إلى مصدر للقلق يعكس فجوة عميقة في الإدارة، ويفرض ضرورة التوقف الفوري عن العبث بطبوغرافيا المنطقة، والبدء بترميم ما أفسدته سنوات التهميش، لضمان ألا تنهار البيوت فوق رؤوس قاطنيها في موسم كان يُفترض أن يكون موسماً للعطاء.
