مع إشراقة الثامن عشر من آذار عام 2026، يجد السوريون أنفسهم أمام محطة تاريخية استثنائية تتمثل في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق شرارة ثورتهم، وهي مناسبة تتجاوز مجرد إحياء ذكرى زمنية لتصبح منصة وطنية كبرى لتجديد العهد على المبادئ والقيم التي خرج من أجلها الملايين في عام 2011. هذه السنوات الطويلة المثقلة بالتضحيات الجسام لم تزد المشهد السوري إلا إصراراً وتشبثاً بالحقوق، حيث تجلت في هذه الذكرى مظاهر احتفالية ورمزية مبتكرة، تعكس إرادة شعب يرفض النسيان ويؤمن بقدرته على صياغة مستقبله الحر رغم كل التحديات والظروف المحيطة.
وفي لفتة رمزية حملت الكثير من المعاني، أدرجت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي رحلة استثنائية تحمل اسم "الثورة السورية" على شاشات مواعيد الرحلات في مطار حلب الدولي. هذه الخطوة، التي انتشرت صورها كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم تكن مجرد تحديث تقني على لوحة المطار، بل كانت رسالة معنوية بالغة الدلالة، تؤكد أن مسار الثورة لا يزال قائماً في الوعي المؤسسي والشعبي، وكأنها رحلة نحو الحرية والكرامة لا تعترف بالحدود أو العقبات، وهي رحلة يرى فيها الكثيرون مساراً مستمراً نحو استعادة الدولة والعدالة.
ولم يتوقف الإبداع السوري عند الرموز الرقمية، بل امتد لتوثيق هذه المرحلة في الذاكرة المادية من خلال إصدار أول طابع تذكاري خاص بذكرى انطلاق الثورة السورية، في خطوة تهدف إلى حفظ الهوية الوطنية وتكريس الاعتراف الشعبي بهذا التاريخ العظيم كجزء لا يتجزأ من هوية سورية المعاصرة. وبموازاة هذا الحراك الرمزي، برزت المواقف الحقوقية الجادة، حيث أشاد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، بصمود السوريين الأسطوري في هذه الذكرى، مؤكداً عبر تصريحاته أن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن كافة الانتهاكات يمثلان الحجر الأساس والطريق الوحيد لبناء مستقبل يليق بحجم الدماء التي نزفت والأثمان التي دُفعت، معتبراً أن إنصاف الضحايا هو جوهر مسار التغيير المنشود.
إن مرور عقد ونصف من الزمن يثبت اليوم أن الروح التي انطلقت في أزقة درعا وحواري دمشق ومدن الشمال والساحل، قد أزهرت واقعاً جديداً، محولةً الذكرى السنوية إلى فضاء مفتوح لتخليد انطلاقتها وما حملته من مطالب خالدة بالحرية والكرامة. حيث تتوحد اليوم الحناجر والمؤسسات في صوت واحد، يحتفي بما أُنجز من كرامة، ويؤكد أن إرادة الشعوب حين تجتمع على الحق تثمر نصراً مؤزراً، وأن شمس آذار التي أشرقت قبل خمسة عشر عاماً، لا تزال تضيء درب السوريين نحو غدٍ مشرق يملؤه الفخر والسيادة والاعتزاز بالهوية الوطنية.
