تخطو سوريا اليوم نحو مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، محاولةً نفض غبار العقود الماضية التي أثقلت كاهل السوريين بالخوف والدمار. ومع بزوغ فجر الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بدأت ملامح سياسة "تصفير الأزمات" تتبلور، ليس فقط على الصعيد السياسي والدبلوماسي، بل وفي أكثر الملفات حساسية وتعقيداً على الإطلاق: ملف الأسلحة الكيميائية التي ورثتها البلاد عن حقبة النظام المخلوع، والتي ظلت لسنوات طويلة خنجراً في خاصرة السيادة السورية ومصدراً للقلق العالمي.
وفي هذا الإطار، وضعت الحكومة السورية على رأس أولوياتها خطة وطنية شاملة مدعومة دولياً لتعقب وتدمير كل ما تبقى من مخزونات الغازات السامة. هذه الخطوة التي لاقت ترحيباً واسعاً من واشنطن وعواصم أوروبية فاعلة مثل باريس ولندن وبرلين، تأتي في وقت يسعى فيه السوريون لإثبات جديتهم المطلقة في بناء دولة قانون تحترم المواثيق الدولية وتلتزم بعهد جديد من الشفافية الكاملة أمام المجتمع الدولي.
وقد أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم عُلبي، في تصريحاته الأخيرة، أن بلاده قد تحولت جذرياً من موقع المتهم بالإخفاء والمناورة في عهد النظام السابق، إلى موقع "القائد للعزم" في عملية التطهير والشفافية الآن. الحكومة السورية الجديدة لم تكتفِ بالوعود الشفهية، بل فتحت أبوابها ومواقعها العسكرية الأكثر سرية أمام فرق المفتشين الدوليين، معلنةً عن استعدادها الكامل لتسهيل الوصول إلى أكثر من 100 موقع مشتبه به، تتنوع بين قواعد عسكرية نائية ومختبرات بحثية ومكاتب إدارية كانت تعمل في خفاء تام لسنوات طويلة تحت إشراف أجهزة النظام السابق.
بيد أن هذه الرحلة نحو التخلص من السموم تصطدم بواقع إقليمي ملتهب تفرضه المواجهات الإسرائيلية-الإيرانية المستعرة في المنطقة. هذا الصراع، الذي تجد سوريا الجديدة نفسها في منأى عنه سياسياً، بات يشكل العائق الخارجي الأكبر أمام استكمال المهمة الدولية؛ حيث يعبر المسؤولون الأمميون عن مخاوفهم من أن تؤدي هذه التوترات الإقليمية والقيود الجوية التي تفرضها الحرب في المنطقة إلى شلل في القدرة اللوجستية لنقل المفتشين والمعدات الحساسة. ورغم هذه الظروف الإقليمية الضاغطة التي تقع خارج إرادة دمشق، يبقى الإصرار السوري ثابتاً في طي هذه الصفحة السوداء؛ إذ تنظر الحكومة الجديدة إلى نجاح هذه العملية بوصفه "الاختبار الأكبر" لقدرتها على تحييد ملف أسلحة الدمار الشامل عن أي تجاذبات أو صراعات إقليمية جارية، وضمان تأمين هذه المواد الفتاكة بشكل احترافي بعيداً عن ضجيج الحرائق المحيطة. إنها معركة استعادة الثقة الدولية التي تقودها دمشق بحكمة، لتأمين مستقبل نظيف وآمن فوق الأرض السورية رغم كل التحديات التي تفرضها الجغرافيا السياسية للمنطقة.
