بينما تحيي سوريا اليوم الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق ثورتها، التي غدت بموجب مرسوم رئاسي عيداً وطنياً يرمز للتحرر والسيادة، يتجه المشهد السياسي الدولي نحو مرحلة جديدة من الواقعية الدبلوماسية تجاه دمشق. ففي جلسة استثنائية ومفصلية عقدها مجلس الأمن الدولي، لم يعد الحديث الدولي مقتصرًا على الأزمات الإنسانية التقليدية، بل برزت لغة دبلوماسية أمريكية مغايرة تماماً، تدعو العالم صراحةً وبقوة إلى تقديم الدعم الشامل للحكومة السورية الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لضمان نجاح مرحلة العبور نحو الاستقرار المستدام.
لقد حملت تصريحات توم براك، المبعوث الأمريكي الخاص وسفير واشنطن لدى أنقرة، رسائل جوهرية أحدثت صدىً واسعاً في الأروقة الدولية؛ مفادها أن سوريا اليوم باتت تمتلك فرصة تاريخية وحقيقية لإنهاء تبعيتها المزمنة للمساعدات الإغاثية الخارجية والتحول نحو اقتصاد وطني منتج يعتمد على الذات. واشنطن، التي تولت الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال شهر مارس الجاري، لم تكتفِ بالدعم اللفظي، بل رسمت ملامح خارطة طريق دولية تتجاوز الإغاثة التقليدية لتشمل المساهمة الفعالة في مشاريع إعادة الإعمار الكبرى، وتعزيز القدرات الوطنية السورية في مكافحة الإرهاب العابر للحدود، ومعالجة ملفات معقدة مثل إعادة المهجرين وتفكيك مراكز الاحتجاز التي خلفها الصراع الطويل.
هذا الانفتاح الدولي الجديد لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج خطوات سورية ملموسة على أرض الواقع أثبتت جدية القيادة الجديدة في الانخراط الإيجابي مع محيطها. فالعاصمة دمشق، التي بدأت تستعيد حيويتها، أضحت وجهةً نشطة للوفود الدبلوماسية الرفيعة؛ بدءاً من الخطوة التركية المتقدمة بتقديم السفير التركي لأوراق اعتماده، وصولاً إلى المباحثات المكثفة مع الوفود العربية لتعزيز التعاون الاقتصادي. إن التنسيق الاستخباري والأمني المتصاعد، والذي أثمر مؤخراً عن إحباط تهديدات إرهابية جدية، يعطي إشارة قوية بأن الدولة السورية استعادت قدرتها على ضبط الأمن وتأمين استقرارها الداخلي. ومع تعهد واشنطن بتعميق شراكتها الاستراتيجية مع الحكومة السورية، يبدو أن الرهان العالمي اليوم ينصب على نجاح الدولة في التحول من حقبة الصراعات إلى عصر البناء والتنمية. إن سوريا اليوم تعيد صياغة دورها المحوري في قلب الشرق الأوسط، مستندةً إلى دعم دولي يرى في استقرارها مفتاحاً لاستقرار المنطقة بأسرها، وتأسيس نموذج وطني قادر على تجاوز تركة الماضي وبناء مستقبل يليق بتطلعات شعبها.
