في الوقت الذي كان العالم ينظر فيه إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين جودة الحياة وتوسيع آفاق المعرفة البشرية، يبدو أن الدفة قد انحرفت فجأة نحو ميادين القتال. فمع مطلع آذار 2026، لم يعد "شات جي بي تي" مجرد مساعد ذكي يجيب على تساؤلات الطلاب أو يساعد المبرمجين، بل أصبح رسمياً جزءاً من العقل المدبر داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). وجاء إعلان "OpenAI" عن توقيع اتفاقية رسمية لنشر نماذجها المتقدمة داخل الشبكات السحابية السرية للجيش الأمريكي بمثابة زلزال في وادي السيليكون. هذه الخطوة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت بعد أزمة دبلوماسية حادة بين الحكومة الأمريكية وشركة "آنثروبيك"، التي رفضت شروط البنتاغون ومنح الوصول غير المشروط لنماذجها، مما أدى لتصنيفها "خطراً على سلاسل التوريد".
هنا، ظهر سام ألتمان، المدير التنفيذي لـ "OpenAI"، ليقتنص الفرصة التي رفضها منافسوه، مبرراً ذلك بضرورة "نزع فتيل التوتر" بين قطاع التكنولوجيا والمؤسسة العسكرية، ومحذراً من أن القطيعة قد تؤدي إلى إجراءات قسرية ضد الشركات. وحاولت الشركة طمأنة الجمهور والموظفين من خلال وضع "خطوط حمراء" في العقد، تشمل حظر استخدام التقنية في المراقبة الجماعية للمواطنين الأمريكيين، وضرورة وجود إشراف بشري على قرارات استخدام القوة العسكرية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الضمانات قد تظل حبراً على ورق أمام متطلبات الأمن القومي والعمليات الميدانية المعقدة.
لكن الشارع الأمريكي لم يقابل هذه الأنباء بالصمت، فقد اجتاحت موجة عارمة من الغضب منصات التواصل الاجتماعي، من "ريديت" إلى "إكس"، حيث أطلق آلاف المستخدمين حملات لإلغاء اشتراكاتهم في "شات جي بي تي بلس". بالنسبة للكثيرين، هذه الخطوة تمثل خيانة للمبادئ التي تأسست عليها الشركة كمنظمة غير ربحية تهدف لنشر الذكاء الاصطناعي من أجل خير البشرية، وقد لخص أحد المستخدمين المشهد قائلاً: "لقد تم سحق آنثروبيك لأنها تمسكت بأخلاقياتها، بينما سارع سام ألتمان لجمع أموال البنتاغون".
وبينما انضمت شركات أخرى مثل "إكس إيه آي" التابعة لإيلون ماسك إلى هذا المسار العسكري، يبقى التساؤل الأكبر حول مستقبل هذه التكنولوجيا؛ هل سيتحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح فتاك يتجاوز السيطرة البشرية؟ أم أن الشركات التقنية أصبحت مجرد أدوات في صراع القوى العظمى؟ ما هو مؤكد اليوم، أن الفجوة بين "أخلاقيات التكنولوجيا" و"مصالح الدولة" قد اتسعت بشكل لم يسبق له مثيل، وأن المستخدم البسيط بات يشعر بأن بياناته وذكاءه الذي ساهم في تدريب هذه النماذج، قد يُستخدم يوماً ما في توجيه فوهة البندقية.
