تعيش منطقة الشرق الأوسط في هذه الساعات على وقع قرع طبول حرب غير مسبوقة، حيث انتقل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من مرحلة التهديدات الكلامية وحروب الوكلاء التقليدية إلى صدام عسكري مباشر وواسع النطاق يهدد استقرار النظام العالمي بأكمله. بدأت فصول هذه المواجهة بقرار حاسم ومفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أطلق سلسلة ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع استراتيجية وحساسة في العمق الإيراني، مبرراً ذلك في إخطاره الرسمي الذي وجهه إلى الكونغرس بأن هذه العمليات كانت "ضرورة ملحة" لحماية القوات والمصالح الأميركية من هجمات وشيكة كانت قيد التخطيط. إلا أن هذا التحرك العسكري، الذي استند فيه ترامب إلى صلاحياته الدستورية، لم يمر مرور الكرام في الداخل الأميركي؛ إذ سارعت أطراف سياسية وحقوقية وازنة للتأكيد على أن هذه الحرب تفتقر إلى أي أساس قانوني متين، محذرين من أن تجاوز صلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب قد يجر البلاد إلى نفق مظلم من الصراعات الخارجية التي لا تنتهي، مما خلق انقساماً حاداً في واشنطن يتزامن مع دوي الانفجارات في طهران.
وعلى الصعيد الميداني، كانت الاستجابة والنتائج الأولية لهذه المواجهة صادمة في سرعتها وحدتها؛ حيث ترزح العاصمة الإيرانية طهران لليوم الثالث تحت وطأة ضربات عسكرية جوية وصاروخية غير مسبوقة، لم تترك من معالم القوة العسكرية والمنشآت الحيوية إلا أنقاضاً تتصاعد منها أدخنة التساؤلات الوجودية حول طبيعة المرحلة القادمة. هذا الهجوم الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "سريع وحاسم"، لم يكن مجرد رد فعل عسكري عابر، بل كان إعلاناً صريحاً عن تبدّل قواعد الاشتباك التاريخية، حيث انتقل الهدف من سياسة "الردع المتبادل" إلى استراتيجية "التقويض الشامل" للقدرات الاستراتيجية للخصم في وقت قياسي. وفي الوقت ذاته، كشفت التقارير الميدانية الموثقة عن وقوع حصيلة كبيرة ومؤلمة من القتلى والجرحى في صفوف الجيش الأميركي نتيجة الضربات المتبادلة، وهو ما أحدث هزة قوية في الأوساط العسكرية والسياسية، واضعاً إدارة ترامب أمام اختبار شعبي صعب حول جدوى التضحية بالأرواح في نزاع مفتوح.
ولم تتوقف نيران الصراع عند حدود الجبهات التقليدية، بل امتدت لتطال المراكز السيادية والدبلوماسية، حيث أكدت مصادر ميدانية نشوب حريق في إحدى السفارات، في وقت كانت فيه الجبهة اللبنانية تشتعل بسيناريو أكثر تعقيداً؛ إذ إن التوغل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وتحديداً في منطقة "إصبع الجليل"، كان قراراً عسكرياً مدروساً يهدف إلى بتر أوصال التواصل الميداني واللوجستي لحزب الله، مترافقاً مع غارات دكت الضاحية الجنوبية لبيروت وعمق البقاع، ومتبعة سياسة "الأرض المحروقة" وتدمير البنى التحتية بشكل جذري. وفي خضم هذا الغبار الكثيف، تبرز البصمة الأميركية بوضوح من خلال إدارة ترامب التي لم تكتفِ بالدعم اللوجستي، بل قدمت مبررات لشرعنة الهجوم وفق رؤية "السلام من خلال القوة"، وهي الرؤية التي يرى الخبراء أنها قدمت "هدايا مجانية" لروسيا ولقيصرها بوتين عبر تشتيت الانتباه الغربي واستنزاف موارده بعيداً عن أوكرانيا، مما منح موسكو هامشاً أوسع للمناورة.
وعلى المستوى الدبلوماسي والإقليمي، تحول الصراع إلى أزمة جيوسياسية طالت سيادة دول عربية؛ حيث وجهت دولة قطر رسائل للأمم المتحدة توثق اعتداءً إيرانياً على أراضيها بـ 92 صاروخاً باليستياً و17 طائرة مسيرة استهدفت منشآت حيوية ومستودعات غذائية، واصفة إياه بالانتهاك الصارخ. وفي سياق متصل، حذر مندوب الجامعة العربية في الأمم المتحدة، السفير ماجد عبد الفتاح، من المساعي الإسرائيلية للهيمنة بالقوة، ملوحاً بأن الدول العربية قد تضطر لبحث خيارات تطوير أسلحة رادعة. وبينما سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإجراء اتصالات مع قادة الخليج معرباً عن أسفه للاستهداف الذي طال أراضيهم، حث الرئيس الروسي بوتين على وقف إطلاق النار، وأكد ملك الأردن عبد الله الثاني رفضه للاعتداءات التي مست المملكة، كما طالبت مصر بوقف الاستهداف الإيراني فوراً، وسط تحذيرات دولية من التداعيات الكارثية لإغلاق مضيق هرمز على إمدادات الوقود والاقتصاد العالمي.
إن ما يشهده العالم اليوم هو اختبار حقيقي لمستقبل التحالفات الدولية وللقدرة على ضبط النفس قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة. فبينما يراهن الرئيس ترامب على "القوة المفرطة" لفرض واقع جديد، يحذر المراقبون من أن هذه المقامرة قد تنزلق إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة الأمد. ومع غياب أي أفق واضح للحل الدبلوماسي في ظل الدماء التي سقطت والحرائق التي اندلعت، يبقى السؤال الوجودي القائم: هل ستتمكن واشنطن من احتواء الحريق الذي أشعلته بقرارها الأخير، أم أن المنطقة برمتها قد انزلقت بالفعل إلى "مواجهة كبرى" لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو تكلفتها البشرية والاقتصادية على المدى البعيد؟.
