هل تنجح لغة الصواريخ فيما عجزت عنه الدبلوماسية؟


في تحولٍ دراماتيكي لم يشهده الشرق الأوسط منذ عقود، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد قرر التخلي عن حذره المعهود، قافزاً فوق كافة "حواجز الحماية" التي التزم بها في ولايته السابقة. هذه المقامرة الكبرى، التي تشنها واشنطن بالتعاون الوثيق مع تل أبيب، لم تعد تستهدف فقط تحجيم القدرات النووية الإيرانية، بل باتت تشير صراحةً إلى رغبة في "تغيير النظام"، مما يضع المنطقة برمتها أمام سيناريوهات كارثية غير محسوبة النتائج. ويرى مراقبون أن هذا التصادم المباشر جاء بعد نفاذ الصبر الأمريكي تجاه ما وصفته الإدارة بـ "تكتيكات المماطلة" الإيرانية، خاصة بعد فشل جولة محادثات أخيرة قادها مبعوثون أمريكيون، حيث ساد الاعتقاد في البيت الأبيض بأن طهران باتت على بُعد أيام قليلة من امتلاك سلاح نووي، وهو ما اعتبرته واشنطن ضوءاً أحمر لإنهاء الدبلوماسية وبدء لغة الصواريخ.


ومع دوي الانفجارات في طهران وتصاعد أعمدة الدخان، بدأت تبرز أصوات تحذيرية تتهم الإدارة الأمريكية بـ "فقدان الذاكرة التاريخية". فالمشهد اليوم يعيد للأذهان إرهاصات غزو العراق عام 2003؛ من حيث الوعود بالحرية للشعوب، والتقارير الاستخباراتية التي تبرر الحرب بوجود أخطار وشيكة، وتجاهل التبعات الطويلة الأمد لسقوط الأنظمة المركزية. وبينما يروج الخطاب الرسمي الأمريكي والإسرائيلي لفكرة "فرصة الشعب الإيراني لاستعادة بلده" -وهو خطاب صاحبته رسائل استخباراتية إسرائيلية مباشرة باللغة الفارسية تشجع على الاحتجاج- يحذر محللون من أن السياسة الخارجية المتقلبة قد تؤدي إلى فوضى عارمة لن تتوقف عند الحدود الإيرانية، بل ستطال استقرار المنطقة بأكملها.


هذا الانفجار العسكري لم يبقَ حبيس الجبهات القتالية، بل ضرب بعنف الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. ومع تحول الممرات المائية الحيوية إلى مناطق عمليات خطرة، أعلنت كبرى شركات الشحن العالمي توقف مرور سفنها، مما ينذر بموجة غلاء وتضخم تضرب الأسواق الدولية. إن توقف حركة الملاحة واستهداف السفن يؤكد أن هذه الحرب ليست مجرد صراع إقليمي محدود، بل هي زلزال اقتصادي وسياسي ستصل ارتداداته إلى كل مكان، ليبقى السؤال الجوهري قائماً حول المدى الزمني لهذه العملية وكلفته البشرية، وما إذا كان الشرق الأوسط سيخرج من هذه الدوامة بشكل جديد أم سيغرق في فوضى مفتوحة لا تعرف نهاية واضحة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال