قراءة في المشهد السوري وسط تصعيد الجنوب السوري


تستقبل سوريا عامها المالي الجديد وسط أجواء مشحونة بالتحديات الجسيمة التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والميدان بالعلاقات الدولية بشكل غير مسبوق. فبينما تحاول الحكومة السورية جاهدة موازنة أرقامها المالية المثقلة بالعجز والديون المتراكمة، لا تزال سماء البلاد مسرحاً لعمليات عسكرية واعتداءات إسرائيلية متكررة تزيد من تعقيد المشهد الإنساني والأمني، وتضع مؤسسات الدولة أمام اختبارات مصيرية وصعبة حول قدرتها على الصمود والاستقرار في منطقة تغلي بالصراعات والتحولات الكبرى.


على الصعيد الميداني، شهدت المناطق الجنوبية من سوريا تصعيداً لافتاً تمثل في غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت مواقع حيوية واستراتيجية، مما دفع بدمشق إلى إصدار بيانات إدانة شديدة اللهجة، محمّلة تل أبيب المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا التصعيد الذي يهدد أمن المنطقة بأسرها. ولم تقتصر الإدانة على الداخل السوري فحسب، بل امتدت لتشمل مواقف إقليمية ودولية بارزة؛ حيث سارعت تركيا وعدة دول عربية وإسلامية إلى إصدار بيانات رسمية تدين هذه الغارات، واصفة إياها بالانتهاك السافر للسيادة السورية والخرق الخطير للمواثيق الدولية، مما يعكس قلقاً إقليمياً متزايداً من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا تحمد عقباها.


وفي قلب هذه التوترات المتسارعة، يسعى الرئيس السوري للتأكيد على نهج سياسي حذر يحاول من خلاله إبعاد بلاده عن محاور النزاع الإقليمي المباشر في الشرق الأوسط، مركزاً في خطاباته على ضرورة حماية المصالح الوطنية العليا وتجنيب الشعب السوري مزيداً من ويلات الحروب والدمار. إلا أن هذه المساعي السياسية تصطدم بواقع اقتصادي مرير، حيث كشفت أرقام الموازنة العامة لعام 2026 عن زيادة ملحوظة في حجم الإنفاق العام، لكن القراءة المتأنية تشير إلى أنها زيادة مدفوعة في المقام الأول بمعدلات التضخم الجامح وتدهور قيمة العملة المحلية، مما يجعل "الزيادة" الرقمية مجرد أرقام على ورق لا تترجم إلى تحسن ملموس في المستوى المعيشي أو القدرة الشرائية للمواطن المثقل أصلاً بتبعات سنوات الحرب الطويلة والمرهقة.


إن المشهد السوري اليوم يختزل صراع البقاء في أبشع صوره وأكثرها تعقيداً؛ فمن جهة، هناك محاولات لترميم الهيكل الاقتصادي المتهالك وضبط المالية العامة تحت ضغط العقوبات، ومن جهة أخرى، هناك ضغوط عسكرية خارجية ورغبة استراتيجية في النأي بالنفس عن حرائق المنطقة المشتعلة. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن السوري هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، بانتظار حلول سياسية واقتصادية شاملة تعيد للبلاد استقرارها المسلوب وتخرجها من نفق الأزمات المظلم الذي طال أمده.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال