إيران على مفترق الطرق: قبضة "الجمهورية" في مواجهة حلم "التاج"


تجاوزت إيران مرحلة الصدمة الأولى لتدخل في أتون صراع مفتوح على كافة الجبهات؛ فبينما تعيش العاصمة والمدن الكبرى حالة من الغليان الشعبي والمظاهرات الحاشدة، تلوذ السلطة بمؤسساتها الدستورية لتثبيت أركان الحكم. فمن ساحة "انقلاب" في طهران إلى مرقد "السيدة المعصومة" في قم، وصولاً إلى مشهد، لم يعد الحزن هو سيد الموقف، بل تحول إلى وقود للتعبئة العامة والاستنفار العسكري على كافة الحدود، في رسالة واضحة من النظام بأن غياب المرشد لن يعني غياب قبضته عن المشهد الداخلي أو الميداني.


وفي الوقت الذي تسعى فيه طهران لإظهار تماسكها، يرتفع في الخارج صوت المعارضة الذي يمثله رضا بهلوي، معتبراً أن ما جرى هو "ساعة الحقيقة" التي انتظرها طويلاً. بهلوي الذي وجّه شكراً علنياً للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يراهن على أن هذه اللحظة هي البداية لتفكيك آلة القمع، مقدماً "مشروع ازدهار إيران" كبديل جاهز لإدارة المرحلة الانتقالية. هذا الطموح بالعودة لإيران "ما قبل الثورة" واستئناف العلاقات مع واشنطن والانضمام لاتفاقيات السلام الإقليمية، يضع الشارع الإيراني أمام خيارين متناقضين تماماً لمستقبل البلاد.


داخل أروقة الحكم، يبدو أن النظام استوعب الدرس سريعاً؛ فرسائل علي لاريجاني لم تكن مجرد وعيد بالانتقام، بل كانت "خارطة طريق" سياسية تهدف لقطع الطريق على سيناريوهات الفوضى أو الانهيار. السلطة في طهران تعمل الآن بأقصى طاقتها لإثبات أن "دولة المؤسسات" قادرة على امتصاص صدمة الاغتيال، من خلال إجراءات دستورية سريعة تضمن انتقال السلطة وتمنع حدوث أي فراغ أمني قد تستغله المعارضة أو القوى الخارجية.


بين استنفار أجهزة الدولة لتثبيت شرعيتها، وبين حراك المعارضة التي ترى في الحدث فرصة تاريخية للتغيير، تبقى إيران في حالة ترقب دولي وإقليمي مشوب بالحذر. الصراع اليوم لم يعد مجرد رد فعل على غارة جوية، بل تحول إلى صراع إرادات حول هوية الدولة القادمة؛ فبينما يتمسك النظام بنهج المرشد الراحل، تراهن المعارضة على أن القوة الدافعة على الأرض كفيلة برسم مسار جديد يخرج إيران من عزلتها الدولية، مما يجعل الأيام القادمة هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المنظومة الحاكمة على الصمود أمام عواصف التغيير.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال