دبلوماسية دمشق الجديدة في القارة العجوز: الشرع بين "برلين ولندن" لرسم ملامح الاستقرار والعودة


في خطوة تعكس تسارع الخطى السورية لكسر العزلة الدولية وإعادة صياغة علاقات دمشق الخارجية، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع جولة أوروبية محورية، بدأت من العاصمة الألمانية برلين وصولاً إلى "10 داونينغ ستريت" في لندن. هذه الجولة لم تكن مجرد زيارات بروتوكولية، بل حملت في طياتها ملفات شائكة تتراوح بين الأمن القومي الأوروبي ومستقبل ملايين اللاجئين السوريين، في وقت تمر فيه المنطقة بمنعطفات جيوسياسية حادة جراء الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط.


في برلين، كانت الأجواء توحي برغبة متبادلة في إيجاد حلول واقعية لأزمة اللجوء التي استنزفت القارة. اجتمع الشرع مع المستشار الألماني أولاف شولتس، حيث تركزت المحادثات على "خارطة طريق" لعودة اللاجئين السوريين المقيمين في ألمانيا. وتأتي أهمية هذه المباحثات مدعومة ببيانات ميدانية تشير إلى أن نحو 80% من السوريين في ألمانيا أبدوا رغبة أولية في العودة، بشرط توفر الضمانات الأمنية والاقتصادية. التصريحات الصادرة عن الجانبين شددت على أن الاستقرار في سوريا هو المفتاح الوحيد لتخفيف الضغط عن أوروبا، حيث تم التوافق على تعزيز التعاون الأمني لضمان بيئة آمنة للعائدين، وبحث إمكانية إطلاق مشاريع "التعافي المبكر" التي تدعم البنية التحتية في المدن السورية المتضررة.


ولم تكد تنتهي محادثات برلين حتى حطت طائرة الرئيس الشرع في لندن، المحطة الثانية والأكثر استراتيجية في جولته. هناك، استقبله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في لقاء عكس تحولاً ملحوظاً في النظرة البريطانية تجاه الملف السوري. تركزت المباحثات اللندنية على ثلاثة محاور رئيسية: مكافحة الإرهاب، التصدي لشبكات تهريب البشر، والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط. ستارمر والشرع بحثا بعمق ملف "تهريب البشر" عبر القنوات غير الشرعية، حيث تم الاتفاق على البدء في تنسيق أمني واستخباراتي عالي المستوى لملاحقة العصابات الدولية التي تستغل اللاجئين، وهو ملف تراه لندن أولوية قصوى لأمنها القومي.


الأبعاد السياسية لهذه الجولة تتجاوز الملفات التقنية؛ فهي تمثل اعترافاً أوروبياً ضمنياً بالدور المحوري للقيادة السورية الجديدة في الحفاظ على توازن المنطقة. التصريحات الهامة التي تخللت اللقاءات أشارت إلى أن بريطانيا وألمانيا تريان في استقرار سوريا "صمام أمان" يمنع تدفق موجات هجرة جديدة ويحد من تمدد التنظيمات المتطرفة. من جانبه، أكد الرئيس الشرع خلال هذه اللقاءات أن سوريا منفتحة على التعاون الكامل مع المجتمع الدولي، شريطة احترام السيادة الوطنية ودعم جهود إعادة الإعمار التي تمثل الضمانة الوحيدة لعودة طوعية وكريمة للمهجرين.


غادر الشرع لندن مخلفاً وراءه تساؤلات حول طبيعة "التعاقدات" غير المعلنة في الجوانب الأمنية والاقتصادية، إلا أن المؤكد هو أن قطار الدبلوماسية السورية قد انطلق بالفعل في المسار الأوروبي. هذه الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة قد تشهد تخفيفاً تدريجياً للقيود المفروضة على دمشق مقابل تعاون ملموس في ملفات الهجرة والأمن، مما يضع الدولة السورية أمام اختبار حقيقي لترجمة هذه التفاهمات إلى واقع ملموس يلمسه السوريون في الداخل والخارج.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال