ضجت الأوساط السورية مؤخراً بموجة واسعة من الجدل والقلق، إثر تصريحات رسمية لمست زاوية حساسة في حياة المواطن المثقل بالأعباء، ألا وهي الرعاية الصحية. بدأت القصة حين أطلت أنباء عن توجه حكومي نحو ما وُصف بـ "خصخصة المستشفيات"، وهو المصطلح الذي وقع كالصاعقة على مسامع ملايين السوريين الذين يعيش أغلبهم تحت خط الفقر، ويعتمدون على المرافق العامة كملجأ أخير للعلاج. هذا القلق لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل تجسد في تساؤلات مشروعة حول قدرة الفئات الهشة على الوصول إلى الخدمة الطبية إذا ما تحولت المستشفيات إلى مشاريع تتوخى الربح.
سريعاً، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للنقاش المحتدم، حيث عبر الكثيرون عن خشيتهم من تراجع الدور الاجتماعي للدولة، منتقدين فكرة تسليم إدارة المرافق الصحية للقطاع الخاص في ظل ظروف معيشية قاسية. وذهب البعض للتساؤل عن الجدوى من استقدام مستثمرين إذا لم يكن الهدف هو تحصيل مبالغ إضافية من جيب المواطن، بينما دعا آخرون إلى ضرورة إصلاح الإدارة الحكومية بدلاً من التخلي عنها. وأمام هذا الغضب المتصاعد، سارعت هيئة الاستثمار السورية لإصدار بيان توضيحي أكدت فيه أن "الصحة ليست للبيع"، وأن الدولة ستبقى المالك والضامن الأساسي للخدمات، مشيرة إلى أن الهدف هو "الشراكة" لتحسين الجودة وليس الخصخصة بمعناها التقليدي.
وفي محاولة لترشيد هذا النقاش العاطفي، برزت أصوات علمية تدعو لقراءة القرار من منظور واقعي وتقني. الباحث السوري مهند الملك، المتخصص في إدارة الأعمال وعلوم الخلية، اعتبر أن التوجه نحو الشراكة بين القطاعين العام والخاص هو قرار "صحيح بنسبة مئة بالمئة"، موضحاً أن النظام الصحي السوري يعاني من إنهاك عميق بعد سنوات الحرب، وتدهور في البنية التحتية، ونقص حاد في الكوادر. ويرى الملك أن بقاء الدولة كمنظم ورقيب مع إسناد التشغيل للقطاع الخاص قد يكون المخرج الوحيد لإنقاذ القطاع من الانهيار، مستشهداً بتجارب ناجحة في دول مثل رواندا والهند وكينيا، حيث ساهمت هذه الشراكات في توسيع التغطية الصحية وتحسين الخدمات الأساسية.
ورغم هذا الدفاع العلمي، يظل التحدي الأكبر يكمن في "ثقة المواطن" وضمانات التنفيذ. فبينما تؤكد الحكومة أن أي صيغة مستقبلية ستصون حقوق الفقراء، يبقى الشارع السوري مترقباً بحذر، مدركاً أن نجاح مثل هذه الخطوات يتوقف على أربعة شروط لا تقبل المساومة: الشفافية المطلقة، الرقابة الحكومية الصارمة، وضع معايير جودة لا تنحاز للربح، وتسريع آليات الدعم الاجتماعي. إن النقاش اليوم في سوريا لم يعد يتمحور حول "من يدير"، بل حول كيفية بناء نظام صحي كفوء وعادل يضمن ألا يموت فقيرٌ لعدم امتلاكه ثمن العلاج، في وقت يواجه فيه الوطن تحديات إعادة الإعمار والنهوض من تحت الرماد.
