خلف الفشل الذريع لمفاوضات إسلام آباد فراغاً سياسياً لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما ملأه هدير المحركات الحربية في مياه الخليج العربي. فمع تحطم آمال الهدنة ومغادرة جيه دي فانس ومحمد باقر قاليباف طاولة الحوار، انتقل الصراع من لغة النقاط الست الشائكة إلى لغة الحصار البحري الشامل الذي أعلنت عنه القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ليدخل حيز التنفيذ في 13 أبريل. هذا التحول الدراماتيكي جاء مدفوعاً بقرار الرئيس دونالد ترمب القاضي باعتراض كافة السفن التجارية التي تدفع رسوم عبور لطهران، في محاولة أمريكية لانتزاع السيادة على "شريان الحياة" العالمي وإجبار إيران على شروط رفضتها في غرف التفاوض.
لقد كانت شروط واشنطن في باكستان بمثابة "إعلان استسلام" من وجهة النظر الإيرانية؛ إذ طالبت بتفكيك كامل للمنشآت النووية، ووقف تمويل الفصائل الإقليمية، وحتى تقاسم عوائد رسوم الملاحة في المضيق. وفي المقابل، تمسكت طهران بحقها في التخصيب والتعويضات والإفراج عن الأرصدة المجمدة، مما جعل انسحاب الوفود نتيجة حتمية لصراع "تكسير عظام" إستراتيجي. وبينما يحاول ترمب استنساخ "نموذج فنزويلا" لتجفيف منابع طهران النفطية، تبرز عقبة الجغرافيا؛ فمضيق هرمز بتضاريسه وجزره يمنح إيران قدرة على تحويل الملاحة إلى كابوس دولي، وهو ما يجعل مغامرة الحصار محفوفة بمخاطر تفوق ما واجهته واشنطن في الكاريبي.
ميدانياً، بدأت المدمرتان "فرانك إي بيترسون" و"مايكل مورفي" عمليات "تطهير" للألغام وسط نفي إيراني وتحذيرات من "دوامة قاتلة" قد تبتلع المهاجمين. هذا التصعيد لا يضع أمن الطاقة العالمي على المحك فحسب، بل يفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد للقوات الأمريكية، وهو سيناريو قد يخدم مصالح بكين الصامتة التي تراقب تآكل الهيبة الأمريكية بعيداً عن حدودها.
وفي المحصلة، يبدو أن واشنطن التي دخلت هذه المواجهة بحدس رئيسها وقنابل مدمراتها، تواجه اليوم اختباراً تاريخياً يتجاوز حدود السيطرة العسكرية؛ فإذا عجزت القوة العظمى عن فرض إرادتها على ممر مائي تحكمه الجغرافيا لا الأماني السياسية، فإن مضيق هرمز لن يكون مجرد ساحة حرب عابرة، بل قد يتحول إلى "أزمة سويس" جديدة تُعلن للعالم أن زمن فرض الحلول الأحادية بالقوة قد ولى، ليقف المضيق شاهداً على حدود القوة الأمريكية في عالم لم يعد يرضخ للتهديد وحده.
