اتفاقيات كبرى في تركيا ترسم ملامح استقرار المنطقة


انطلقت في العاصمة التركية أنقرة ومدينة إسطنبول سلسلة من الاجتماعات الرفيعة والمكثفة التي وضعت حجر الأساس لمستقبل "سوريا الجديدة"، حيث بدأ هذا الحراك الدبلوماسي بلقاء محوري جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بنظيره التركي هاكان فيدان، متبوعاً باجتماع اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة، لتعلن دمشق وأنقرة رسمياً بدء مرحلة "النأي والنمو" التي تهدف لانتشال البلاد من ركام الحرب الطويلة وتصفية إرث التدخلات الخارجية التي أرهقت الدولة السورية. وقد حملت تصريحات الوزير الشيباني نبرة مكاشفة صريحة وغير مسبوقة، أكد فيها أن سوريا عانت لأكثر من 14 عاماً من عبث الميليشيات المرتبطة بإيران، موضحاً أن هذا التدخل كان المحرك الأساسي لنزوح 15 مليون سوري وسقوط مليون ضحية، فضلاً عن دمار هائل طال 4 ملايين منزل في مختلف المحافظات، وشدد الشيباني على أن بوصلة الحكومة السورية حالياً لا تحيد عن مبدأ "دولة واحدة وجيش واحد" من خلال المضي قدماً في تنفيذ الاتفاق الشامل لدمج قوات "قسد" في صفوف الجيش السوري، مع العمل على تعزيز القوات الحدودية بشكل مكثف لضمان إنهاء ظاهرة الميليشيات ومنع عودة الصراعات التي حولت البلاد سابقاً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.


وبالتوازي مع هذه الترتيبات السياسية والأمنية، تحولت مدينة إسطنبول إلى ورشة عمل كبرى خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة، حيث جرى الاتفاق بين الجانبين على رفع حجم التبادل التجاري من 3.7 مليار دولار إلى 10 مليارات دولار كهدف استراتيجي للمرحلة المقبلة، مع فتح الأبواب واسعاً أمام شركات المقاولات التركية لتولي دور قيادي في مشاريع إعادة الإعمار الكبرى وتطوير قطاع الطاقة، كما بدأ العمل فعلياً على تذليل العقبات المالية عبر بناء علاقات مصرفية مباشرة تتجاوز قيود نظام "سويفت" الدولي. هذا الطموح الاقتصادي لم يقتصر على الجانب التركي فقط، بل امتد ليشمل اتفاقية النقل الثلاثية التي وُقعت بين سوريا وتركيا والأردن، والتي تهدف بشكل مباشر إلى إحياء محور النقل البري وتفعيل السكك الحديدية، بما في ذلك المشروع التاريخي لإعادة تأهيل سكة حديد الحجاز، وتحويل الموانئ السورية على البحر المتوسط إلى مراكز لوجستية عالمية تربط دول الخليج العربي والمنطقة بآسيا الوسطى وأوروبا.


وعلى المسار الدبلوماسي الدولي، وبينما رحبت دمشق بالهدنة الأمريكية الإيرانية التي تمت بوساطة باكستانية كخطوة نحو التهدئة الشاملة، أعلنت بوضوح انحيازها التام للسيادة العربية في العراق ولبنان، ومطالبة بحصر السلاح والقرار بيد مؤسسات الدولة الرسمية. وفي الوقت ذاته، كشف الشيباني أن الانتهاكات الجوية الإسرائيلية والتوغلات في المنطقة العازلة التي تلت أحداث 8 ديسمبر هي التي أدت إلى إفشال وساطة أمريكية سابقة كانت تهدف للتوصل إلى تفاهمات سلام، وطالب بانسحاب إسرائيلي فوري والالتزام التام باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 لضمان عدم انفجار الأوضاع مجدداً. وفي سياق تنويع التحالفات الاستراتيجية وتأمين المتطلبات المعيشية الأساسية، استذكر المراقبون اللقاء الهام الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في دمشق في وقت سابق، والذي تم خلاله التباحث في مشاريع كبرى لإنشاء مركز إقليمي لتجارة الحبوب والأسمدة وتطوير مناجم الفوسفات السورية، لتكتمل بذلك صورة التحرك السوري الشامل نحو استعادة السيادة الوطنية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو بعيداً عن سياسة المحاور التقليدية الضيقة التي كبلت البلاد لسنوات طويلة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال