تشهد المنطقة الشرقية والشمالية في سوريا تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، تعكس جدية التوجه نحو طي صفحة الانقسام التي استمرت لسنوات، حيث بدأت مفاعيل "الاتفاق الشامل" الموقع في التاسع والعشرين من كانون الثاني الماضي بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) تترجم على أرض الواقع عبر مسارين متوازيين؛ الأول إنساني قانوني يتعلق بملف المعتقلين والسجون، والثاني اجتماعي يركز على تأمين العودة الطوعية والمنظمة للنازحين إلى ديارهم.
وفي تطور بارز يكرس عودة هيبة القانون، أعلنت الرئاسة السورية عن بدء انتقال ملف مراكز الاحتجاز في الحسكة ومناطق شرق البلاد لتصبح تحت سلطة وإشراف مؤسسات الدولة الرسمية، حيث من المقرر أن تتسلم وزارتا العدل والداخلية كافة السجون الخاضعة لسيطرة "قسد" تدريجياً. هذا المسار الذي يشرف عليه الفريق الرئاسي والمبعوث الخاص العميد زياد العايش، يهدف إلى إنهاء أي حالة اعتقال خارج الأطر الدستورية، وتحويل ملفات الموقوفين من إطار التفاوض السياسي المفتوح إلى مسار تنفيذي ومنظم، مع تمييز دقيق بين المعتقلين ذوي الطابع الثوري الذين يتم الإفراج عنهم دون شروط، وبين المتهمين في قضايا جنائية الذين ستنظر وزارة العدل في ملفاتهم وفق سيادة القانون.
وعلى صعيد الأرقام، كشف المتحدث باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي عن تجاوز عدد المفرج عنهم حتى الآن 1500 شخص ضمن أربع دفعات متتالية، مع التأكيد على وجود دفعة جديدة ستنال حريتها الأسبوع المقبل. هذا التحرك لا يقتصر فقط على إخلاء سبيل الموقوفين، بل يمتد ليشمل إنهاء "الإخلاءات العشوائية" وضمان أن تكون الدولة هي المظلة الوحيدة لإدارة ملف الأمن القومي، بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية، مما يجعل من هذا الملف اختباراً حقيقياً لمدى نجاح اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية.
وفي سياق متصل يعزز حالة الاستقرار الاجتماعي، وصلت إلى مدينة عفرين القافلة الثالثة من العائلات العائدة من محافظة الحسكة، والتي ضمت نحو 800 عائلة في أكبر عملية عودة من نوعها منذ بدء تنفيذ الاتفاق. هذه القافلة التي رافقتها مركبات الأمن الداخلي وفرق الدفاع المدني، تعكس تقدماً ملموساً في تهيئة الظروف الميدانية والخدمية لاستقبال المهجرين، وتأتي استجابة مباشرة لمطالب الأهالي التي استمع إليها الفريق الرئاسي في اجتماعات موسعة، لا سيما فيما يخص الهواجس الأمنية في أحياء مثل النشوة وغويران.
إن تكامل هذه الخطوات، من إفراج عن المعتقلين وتسليم للمرافق الأمنية وصولاً إلى تأمين عودة المهجرين، يرسم ملامح مرحلة جديدة من بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري. وهي رسالة واضحة بأن الدولة السورية ماضية في استعادة كامل صلاحياتها الإدارية والقانونية على امتداد جغرافيتها، محولةً الاتفاقات السياسية من حبر على ورق إلى واقع ملموس يلمسه المواطن السوري في أمنه وحريته واستقراره المعيشي.
