في مشهدٍ كان حتى وقت قريب بعيد المنال، انطوت في ربيع عام 2026 صفحة الوجود العسكري الأمريكي المباشر في سوريا، لتدشن مرحلة جديدة من توازنات القوى في الشرق الأوسط. فمع مغادرة آخر القوافل العسكرية لقاعدة "قسرك" الاستراتيجية بريف الحسكة وعبورها الحدود السورية، أعلنت دمشق رسمياً تسلمها "مفاتيح" كافة القواعد التي كانت تشغلها قوات التحالف الدولي، في خطوة وصفتها وزارة الخارجية السورية بأنها ثمرة لجهود توحيد البلاد تحت راية سيادة الدولة الواحدة. هذا المشهد الميداني الذي اختُتم بإخلاء قاعدة "قسرك"، أعاد العصب الرابط بين محافظات الشمال السوري والمناطق الحدودية إلى كنف الجيش السوري من جديد، منهياً بذلك سنوات طويلة من الوجود العسكري الأجنبي الذي أعاد رسم الخرائط الميدانية طوال العقد الماضي.
ورغم اللغة الدبلوماسية التي سادت بيانات التسليم والتسلم، والتي تحدثت عن تنسيق كامل ومهنية عالية، إلا أن كواليس هذا الخروج تضع الدولة السورية أمام تحديات أمنية بالغة الحساسية، خاصة فيما يتعلق بملف تنظيم داعش الذي لم ينتهِ خطره تماماً. فبينما تغادر واشنطن لتركيز مواردها العسكرية والاستخباراتية على جبهات الصراع مع قوى عظمى أخرى، تبرز ثغرات أمنية خلفتها عمليات الانتقال المتسارعة؛ حيث سجلت التقارير وقوع حوادث فرار جماعية في وقت سابق من هذا العام، وتحديداً في كانون الثاني الماضي، طالت محتجزين موالين للتنظيم من مخيم الهول، وذلك قبيل إحكام السيطرة الكاملة على المنطقة. هذه الحوادث لم تكن عابرة، إذ تزامنت مع كسر التنظيم لصمته بدعوات صريحة لعناصره لاستهداف القوات السورية، مستغلاً تحول هؤلاء العناصر إلى خلايا نائمة بدأت تظهر ملامح نشاطها السري في مختلف المحافظات وصولاً إلى مراكز المدن الكبرى بما فيها العاصمة دمشق.
خلف الكواليس السياسية، يرى المحللون أن واشنطن استغلت اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن البنية الوطنية السورية كذريعة لإعلان انتهاء مهمتها العسكرية التي استمرت لأكثر من عشر سنوات، معتبرة أن الغرض الأصلي من شراكتها الميدانية قد "انتهت صلاحيته" بعد دمج تلك القوات في هيكلية الدولة. إن استلام دمشق لهذه القواعد ليس مجرد انتصار لوجستي، بل هو بداية لاختبار حقيقي لقدرة الدولة على ملء الفراغ الاستراتيجي وحماية حدودها في ظل واقع إقليمي متفجر. ومع تحول هذه المواقع من مراكز قتالية دولية إلى عهدة وزارة الدفاع السورية، يبقى الرهان الحقيقي الآن على قدرة دمشق في قيادة جهود مكافحة الإرهاب من الداخل بمفردها، ومواجهة تنظيم بات يعتمد بشكل كلي على التخفي، مما يضع جاهزية الجيش السوري وجهازها الأمني أمام الامتحان الأصعب لضمان أن يكون هذا الانسحاب خطوة نحو استقرار دائم وليس مقدمة لجولة جديدة من الفوضى.
