تجاوزت العلاقة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مربع التفاهمات النظرية لتدخل مرحلة التنفيذ الميداني الفعلي، وهو ما تجسد بوضوح في اللقاء رفيع المستوى الذي عقده الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق مع قائد "قسد" مظلوم عبدي والقيادية إلهام أحمد. هذا الاجتماع، الذي حضره كبار المسؤولين السوريين، لم يكن مجرد جولة حوار تقليدية، بل كان منصة لبحث استكمال عملية دمج التنظيم وهياكله العسكرية والإدارية في مؤسسات الدولة، تنفيذاً لاتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني الماضي، الذي يهدف إلى طي صفحة الانقسام وتأسيس مرحلة جديدة من الاندماج الوطني الشامل.
وعلى الأرض، بدأت ملامح هذا التحول تظهر في ملفات كانت شائكة لسنوات؛ حيث أعلنت الرئاسة السورية بدء استعادة مؤسسات الدولة لملف الاعتقال في شرق البلاد، من خلال مسار مزدوج أثمر عن البدء بعمليات إطلاق سراح الموقوفين على دفعات متتالية، بالتوازي مع نقل مراكز الاحتجاز تدريجياً لتصبح تحت إشراف وزارتي العدل والداخلية. هذا المسار الذي وصفه مراقبون بأنه "لقاء سوري خالص" جرى بعيداً عن أي وساطات خارجية، يعكس توجهاً وطنياً نحو تسوية الرتب العسكرية لعناصر وقيادات "قسد" و"الأسايش" الذين يتواجد بعضهم حالياً في دمشق لإتمام هذه الإجراءات، مع توقعات بتغيير مسمى "الأسايش" إلى "الأمن العام" ودمجهم ضمن قوى الأمن الداخلي.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الأمني والعسكري، بل امتد ليشمل البنية الإدارية والاقتصادية؛ حيث كشف محافظ الحسكة عن توجهات حكومية لدعم الاستقرار والتنمية في المحافظات الشرقية كدفعة أولى مخصصة لإعادة الإعمار. وتتجه الخطة الحكومية نحو استيعاب وتثبيت الموظفين العاملين في مؤسسات "الإدارة الذاتية" ضمن فئات وظيفية تابعة للدولة، تزامناً مع عودة المؤسسات المدنية والخدمية كالهجرة والجوازات والنفوس، وتفعيل الوفود التقنية في قطاعي الطاقة والتربية. هذه الخطوات تترافق مع إعادة هيكلة عسكرية تمنح قيادات من "قسد" مناصب سيادية في المنطقة الشرقية، مما يؤشر على رغبة الدولة في استيعاب هذه الكوادر ضمن إطارها الرسمي.
ورغم التفاؤل بإنهاء ملف الأسرى والمعتقلين بالكامل خلال الفترة المقبلة، والتحضير لتمثيل سياسي أوسع لأبناء المنطقة في البرلمان القادم، لا تزال هناك عقبات تتطلب "مقاربة وطنية حكيمة"، لا سيما فيما يتعلق بآلية دمج المكونات العسكرية المختلفة في الهيكلية الرسمية، ومعالجة ملف عودة النازحين إلى ديارهم. ومع ذلك، فإن وتيرة العمل المتسارعة وتدفق الكوادر بين دمشق والحسكة والقامشلي يوحي بأن سوريا تمضي نحو نموذج إداري يمنح المناطق خصوصيتها الخدمية مع الحفاظ على مركزية الدولة في الشؤون الأمنية والسيادية، وهو المسار الذي يبدو أنه تجاوز نقطة العودة نحو واقع سوري جديد وموحد.
