شهد منتدى أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة بتركيا تحولاً دراماتيكياً في المشهد السوري، حيث تصدر الرئيس السوري أحمد الشرع الواجهة معلناً عن حقبة سياسية وميدانية مغايرة تماماً لما عاشته البلاد طوال أربعة عشر عاماً. وبينما كانت مدينة أنطاليا تحتضن النقاشات الدبلوماسية، كانت الأرض في الداخل السوري تشهد اللحظات الأخيرة للوجود العسكري الأمريكي، بإعلان وزارة الدفاع السورية تسلُّم قاعدة "قسرك" بريف الحسكة، وهي آخر النقاط التي كانت تشغلها قوات التحالف، ليعلن الشرع رسمياً خلو شمال شرقي البلاد من أي قواعد أجنبية، في خطوة باركتها واشنطن على لسان مبعوثها الخاص توم براك، الذي أكد أن الانسحاب جاء بعد تقييم مشترك لتغير الظروف الميدانية وانتفاء مبررات الوجود العسكري السابق.
هذا الانعطاف الميداني لم يكن ليتحقق لولا النجاح في تفكيك العقدة الكردية، حيث كشفت اللقاءات المكثفة في دمشق وأنطاليا عن قطع شوط كبير في دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ضمن بنى الدولة السورية. ولم يعد الأمر مجرد تفاهمات نظرية، بل تُرجم عملياً بتعيين سيبان حمو، قائد وحدات حماية الشعب، معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، وهو ما اعتبرته الخارجية السورية ثمرة لاتفاق **كانون الثاني** الماضي الذي يهدف لتوحيد البلاد تحت سيادة واحدة. ويبدو أن هذا الاستقرار الداخلي قد شجع القوى الدولية على إعادة صياغة علاقاتها مع دمشق، إذ كشفت وثائق دبلوماسية مسربة عن عزم الاتحاد الأوروبي استئناف العمل باتفاقية التعاون لعام 1978، والتحضير لحوار سياسي رفيع المستوى في **أيار** المقبل، مع التركيز على ملفات إعادة الإعمار وتسهيل العودة الطوعية للاجئين، ودمج سوريا في مشاريع الربط الإقليمي الكبرى.
وعلى المسار الإقليمي، رسم الرئيس الشرع ملامح دور سوري جديد يتجاوز "حالة الأزمة" ليتحول إلى "فرصة تاريخية"، مشدداً على أن سوريا تطمح لتكون مركزاً عالمياً للطاقة وسلاسل التوريد، خاصة في ظل التوترات التي تعصف بمضيق هرمز. وقد بدأ هذا الطموح يتحول إلى واقع مع إبحار أول ناقلة نفط عراقي من ميناء بانياس، والحديث عن مشاريع سكك حديدية تربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية. ولم تخلُ تصريحات الشرع من براغماتية سياسية واضحة تجاه الجوار؛ فبينما أشاد بالدور التركي الداعم، وصف التجربة السابقة مع إيران بأنها كانت "غير سليمة" نظراً لدعمها النظام السابق، مؤكداً في الوقت ذاته أن دمشق تلتزم بضبط النفس وتسعى لإصلاح المسارات الإقليمية بما يخدم مصالحها الوطنية.
أما الملف الأكثر تعقيداً، والمتمثل في العلاقة مع إسرائيل، فقد كان حاضراً بقوة في أروقة المنتدى، حيث أكد الشرع أن المفاوضات مستمرة رغم صعوبتها، وتهدف في مرحلتها الأولى إلى التوصل لـ "اتفاق أمني" يضمن انسحاب قوات الاحتلال إلى خطوط عام 1974، واستعادة السيادة على الأراضي التي دخلتها إسرائيل مؤخراً. ومن جانبه، أثنى المبعوث الأمريكي توم براك على "الحكمة والذكاء" اللذين أبدتهما القيادة السورية في التعامل مع التصعيد الإقليمي منذ **تشرين الأول** 2023، متوقعاً أن تفضي هذه السياسة إلى اتفاقات تطبيع قد تسبق المسار اللبناني. ومع اقتراب موعد عقد البرلمان السوري الجديد وصياغة دستور البلاد، يبدو أن سوريا تحت قيادة الشرع قد حسمت خيارها بالخروج من العزلة الدولية عبر بوابة الدبلوماسية النشطة، والتحول من ساحة للصراع إلى حلقة وصل إستراتيجية بين الشرق والغرب.
